Showing posts with label سينما. Show all posts
Showing posts with label سينما. Show all posts

Wednesday, March 27, 2013

Beyond the Great Indoors

عرض سريع لرواية إيلين للكاتب النرويجي Ingvar Ambjrnsen والتي تم نقلها إلى الإنجليزية تحت إسم "ما وراء الأبواب العظيمة" بواسطة المترجم الإنجليزي Don Bartlett والمترجمة Kari Dickson الاسكتلندية الأب ونرويجية الأم.
تحكي الرواية عن ايلين المصاب بمرض التوحد والذي كان يعيش بصحبة والدته ثم توفت تاركة إياه بدون خبرة في الحياة. ينتقل ايلين بعد وفاتها الى دار رعاية وهناك يقوموا بتأهيله ليستطيع التكيف مع المجتمع. في هذه الدار يعرف ايلين صديقه فيما بعد كجيل باجرني الذي يعاني من إعاقة ذهنية. بعد انتهاء فترة التأهيل يخرجا سويا للعالم تحت إشراف الدار التي تمنحهم شقة صغيرة ومرتب شهري يساعدهم في بدء حياة طبيعية.
يعيش ايلين وكجيل في العاصمة أوسلو بمخبأهم دون محاولات جدية للاندماج في المجتمع والتعرف على الجيران. يحاول فرانك المشرف النفسي المسئول عنهم حثهم على الخروج وشراء احتياجاتهم والذهاب للسينما ولكنهم في البداية يجدوا صعوبة في ذلك. ايلين لا يخرج غير في صحبة فرانك وكجيل، اما الأخير لا يخرج سوى لشراء احتياجاتهم من الطعام ويقضي يومه في المطبخ الذي يحبه ليصنع الطعام.
بمرور الوقت يستطيعان الاندماج بسهولة اكثر. في إحدى الايام عند عودتهم من مطعم حيث تناولوا العشاء، سمعا ضجة على سلم مسكنهم. في البداية كان الخوف هو الشعور المسيطر ولكن تحمس كجيل وأخذه فضوله للجري لأعلى ليرى بنفسه ما يجري. وقد كانت سيدة شابة ثملة وتائه على درجات السلالم. فيحملها كجيل حيث شقتها ويصاحبه ايلين ثم يصمم كجيل ان يبقى معاها حتى تفيق من اغماءتها بينما يهلع ايلين من فكرة تواجدهما في شقة مجاورة غريبة. كل ما يفكر به ان دار الرعاية سوف تسحب منهم الثقة والشقة وتجبرهم على العودة الى هناك. دائما ما كان ايلين يفكر بخوف في اي غلطة قد يقترفها وتكون سبب للعودة مرة أخرى الى حيث لا يريد.
وبالفعل يبقى كجيل بجوار السيدة ويعود ايلين لشقتهما بالدور السفلي ساخطا. وبعد احداث قليلة يقعا كجيل والسيدة الشابة في الحب سويا ويتضح لنا ان السيدة، رايدن، حامل من إثر علاقة سابقة بشاب اسباني. ولكن كجيل لا يكترث لذلك ويبدأ في الاهتمام بها والتقرب منها. يشعر ايلين بالغيرة احيانا من جراء هذه العلاقة ولكنه يكتشف بالصدفة انه قادر على كتابة الشعر ويبكي متأثرا بهذا الاكتشاف فينشغل عنهم بموهبته الجديدة.
في إحدى الأيام تدعو رايدن كلاهما على الغداء ولكن ايلين يشعر بإنه غريب ولا يقبل الدعوة متحججا بأنه لديه اجتماع مهم في نفس اليوم. ويبدأ يبحث في الجرائد عن مناسبة ما ليخرج إليها ولا يبدو كاذبا امام كجيل فيرى اعلان عن أمسية شعرية في إحدى المقاهي الراقية ويدرك انها أفضل ملاذ له بعد اكتشاف موهبته في الشعر.
هناك يتبادل الحديث مع احد الضيوف، وقد تقابلا سويا قبل ذلك اليوم في إحدى المطاعم. لا تعجبهم الأمسية كثيرا فيقررا الخروج لتقضية المساء في مقهى آخر وتناول بعض العصائر. بعد هذه الليلة يصبح ايلين صديقا لألفونس العجوز والذي نعرف بعد ذلك من فرانك انه شاعر نُشر له دواويين شعريين في فترة السيتينيات وقد أثرا في حركة الشعر في ذلك الوقت وتم تدريس بعض قصائده في الجامعة ثم توقف وانسحب فجأة من المشهد الثقافي ولم يعد أحد يعرف عنه شيئا.
في أحد الليالي يصاب ألفونس بكدمة في قدميه تمنعه من الحركة فيتصل بإيلين ليأتي لانقاذه. فيذهب كجيل بصحبته ويحمله الأول الى المستشفى لتلقي الاسعافات اللازمة. وتتكرر الزيارات لبيته وبصحبتهم رايدن ايضا. يعرف كجيل ان ألفونس يملك سيارة امريكية قديمة الطراز وتقبع في المرأب لعطل ما لم يتعرف عليه أحد بعد، فيتطوع لاصلاحها. ويعده ألفونس بأنه لو استطاع اصلاحها بانه سيصطحبهم جميعا في رحلة الى الشاطئ حيث كابينة مملوكة له هناك.
وبالفعل يستطيع كجيل اصلاح السيارة ويذهبوا جميعا الى الرحلة الموعودة بعد استشارة فرانك واستئذانه. هناك في الكابينة تقرر رايدن النوم في حجرة كجيل، فلا يتبقى لإيلين سوى مشاركة ألفونس غرفته. يغضب ايلين بشدة ويخبر كجيل بأن اقدامه على اي علاقة جنسية مع رايدن وهي في أواخر شهور الحمل بالتأكيد سيؤذي الطفل ومن الممكن ان يموت. ويفكر بإخبار فرانك عن هذه الجريمة. وتمر الليلة في قلق وترقب، وعندما يذهب ايلين للتمشية على الشاطئ، يتبعه كجيل بإحساس عميق بالذنب ويخبره انه لا يريد إيذاء او جرح أحد ويطلب منه سرواله التحتي لأن خاصته غير نظيف. وهنا يجن جنون ايلين ويتهمه بالخنزير الحقير لأنه لا يهتم بنظافته الشخصية ابدا.
ويعطيه ايلين سرواله التحتي ويرفض ارتداء سروال كجيل بل يشعر بالراحة لدفنه في الرمال حتى لا يراه احد. ويهرول الاخير للعودة للكابينة بينما يبقى ايلين على الشاطئ لساعتين متتاليين. عندما يعود يطمئن قلبه لإيجاد الجميع نيام ولكن بعد برهة يسمع انين رايدن. في البداية يفكر في انه آلام المخاض ثم يسمع صوت قهقهه خافتة فيفهم انهم يقيمون علاقة. فيتجهم ويفكر انه لا يريد ان يسترد سرواله التحتي من كجيل بل انه لا يريد ان يرى ذلك السروال مرة أخرى أبدا.
في نهاية الرواية تلد رايدن طفلة جميلة ويحتفل ايلين وكجيل بمولدها احتفالا صاخبا في إحدى البارات ويشربوا الخمور لأول مرة في حياتهم فيثملوا بشدة ولا يتذكرون شيئا عن نهاية ذلك اليوم او كيف عادوا الى منزلهم. يشعر ايلين ان هذا هو النهاية وان بمجرد ان يعرف فرانك بأمر ثمالتهم وترنحهم في الشوارع بعد منتصف الليل سيعيدهم مرة أخرى الى دار الرعاية. ولكن فرانك يضحك بصوت عال ويطمئنه ان هذا طبيعي لأنهم مازالوا في بداية الانخراط في المجتمع والخروج للعالم الحقيقي وان الخطأ وارد بشدة في مثل تلك الحالات.
ورغم ان ايلين قد منع الجميع من التحدث مع ألفونس في أمر توقفه عن الشعر او حتى يذكر امامه انهم عرفوا حقيقة شخصيته إلا انه لم يتمالك نفسه عن سؤاله لماذا توقف فيجيبه ألفونس "لقد قلت ما عليه قوله ثم شعرت بالضجر، اعتقدت ان الاخرون ربما لديهم ما هو أكثر لقوله".
الرواية بديعة كتبت على لسان ايلين. تهتم بالتفاصيل والامور الحياتية من وجهة نظر معاق ذهنيا وهذا يبدو لي أمر مختلف عن كل ما قرأته عن تلك الفئة من البشر. لم أقرأ رواية بصوت راوي معاق سوى رواية ويليام فوكنر "الصخب والعنف" الذي جعل بطله بنجامين المصاب بالتوحد ايضا يروي إحدى فصول الرواية. كان تصور فوكنر عن المتوحدون أنهم محدودي الذكاء، أغبياء وحمقى. ولكن الكاتب هنا أثرى شخصية ايلين بقوة الملاحظة ومحاولته لتفسير كل شئ والإلمام بكل ما يمر به من تفاصيل وإبداء رأيه في إحدى الافلام السينمائية مثلا او في العلاقات الجنسية والأنسانية بين البشر، كل هذا اعطى بعدا آخر لشخصية المعاق ذهنيا. وكم نحن نحتاج هذا في وطننا العربي الذي لا يفرق بين المرض النفسي والجنون ووصمهم بالعار. كما انه اضفى عليه ذكاءا ملموسا نجده في محاولة ايلين نشر شعره بطرق مبتكرة مثل نحت شعره على ابواب الحمامات او وضع قصيدة في ورقة صغيرة داخل علبة مخلل وإعادة قفلها كما لم تلمس من قبل وإعادتها للبائع ليعيد بيعها بدوره وبذلك ينتشر شعره ويكون حديث المدينة.
تم تحويل الرواية إلى فيلم بعنوان Elling وحاز على جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 2001.

ولد الكاتب إنجفار في عام 1956 وهو من أشهر الكُتاب الرنويجيين  المعاصريين وأكثرهم تأثيرا. وحاز على عدة جوائز لأعماله الأدبية المتنوعة ما بين أدب الطفل والأدب الكوميدي الإنساني.


Wednesday, February 20, 2013

ما بين الأسود وريتشادر باركر

لم يكن ريتشارد باركر هو الحيوان الوحيد الذي  سافر على متن سفينة في المحيط وكاد ان يغرق. سبقه في هذه التجربة "الأسود" واستطاع ايضا ان ينجو أيضا من الغرق.


 ففي عام 1979عُرض الفيلم الأمريكي "الحصان الأسود" من انتاج المخرج الايطالي 
فرانسيس فورد كوبولا، مخرج "الأب الروحي". وهو يعتبر البذرة التي كبرت ورعرعت وطرحت في "حياة باي".
لم يكن الحصان سوى سبيل لتعويض الصبي عن غرق الأب مع السفينة وكذلك ريتشارد باركر  ولكن النمر كانت مهمته اكثر عمقا وحساسية، كان في ذاته رحلة للبحث عن الله في قلب المحيط.
يبدأ فيلم الحصان الأسود بداية مباشرة، سفينة في قلب المحيط، على متنها العديد من الجنسيات. من بينهم رجل عربي يصطحب معه حصان عربي اصيل غير مروض ويقوم بحبسه في حجرة صغيرة على السفينة. يجذب الحصان الطفل "أليس رمزي" إليه ويشفق عليه ويطعمه مكعبات السكر ويطلق عليه إسم "الأسود". وفي الليل يحكي لوالده عنه فيعطيه الأب مجسم لحصان اسود صغير ويخبره انه الحصان الخاص بالأسكندر الأكبر ويحكي له عن اسكندر الطفل الذي يروض الحصان الثائر البري ويكون اول من يمتطيه. في تلك الليلة تغرق السفينة ويستطيع الحصان ان يخرج من محبسه ويعوم برشاقة فينجو من الغرق ويصطحب معه الطفل أليس الذي يتمسك بحبل مربوط في رقبة الحصان. وينتهي بهم الحال فوق جزيرة صخرية خالية من الحياة وحدهم. وسريعا تتوج محاولات الطفل بالتقرب من الحصان بالنجاح ليبدأ الفيلم بدايته الحقيقية بعد ذلك.
تضع الصدفة أليس في بيت متسابق ومدرب سباقات خيل سابق وبعد احداث قليلة يبدأ في تدريب الطفل على امتطاء الحصان وترويض الأخير ليكون حصان سباق ماهر. وبالفعل يتمكن من اشراكهم في اكبر مسابقة للخيل رغم ان الحصان بلا اوراق تثبت هويته واصالته ويفوز الطفل بالسباق وسط دهشة الجمهور والمتسابقين الآخرين واعجابهم في نفس الوقت. استطاع أليس هنا ان يتخطى وحشة فقد الأب وترجمة قصته الأخيرة له عن الأسكندر على أرض الواقع. فالحصان الثائر هو الحياة التي روضها أليس بمفرده بعد رحيل الأب المفجع والمفاجئ. 
ما تتداوله الشبكة العنكبوتية ان الفيلم من إخراج المخرج الإيطالي فرانسيس كوبولا  خطأ، انه فقط المنتج المنفذ. بينما الفيلم من إخراج المخرج الأمريكي كارول بالارد. يشوب الفيلم بعض المشاهد التي ترفع الضغط، مثلا لم يعالج المخرج إشكالية المياه الصالحة للشرب. لم نرى طوال الوقت الذي قضاه أليس وحصانه فوق الجزيرة الصخرية مياه صالحة للشرب ولا نعرف كيف استطاعوا مواصلة الحياة بدون ماء. كما انه مر مرور الكرام على مشكلة توفير الطعام لكلا الطفل والأسود. اتذكر هنا أفلامنا العربية عندما يدخل البطل لمنزله ويمارس الحب مع ممثلة ما بينما لم يغلق باب الشقة وراءه، في إستطاعة هذا ان يعكر صفوي ومزاجي للأبد، فأظل طوال الوقت أردد انه لم يغلق باب الشقة. على المخرجين ان يراعوا مرضى الوسواس القهري ومن هم على شاكلتي.
ومن المتداول ايضا ان الفنان العالمي الموسيقار النوبي حمزة علاء الدين قام بوضع الموسيقى التصويرية لذلك الفيلم وهذا ايضا غير صحيح. فالفنان النوبي الرائع لم يشارك في صُنع هذا الفيلم من الأساس.


ونعود لريتشارد باركر صاحب المهمة الأسمى. في الحقيقة أجد ان حياة باي أكثر إيلاما ووجعا. فالحصان الأسود من الأفلام صاحبة النهايات السعيدة التي لا تشبه الحياة في شئ ولكن باي كان مؤلما حتى اني أكره ان أقول أن لن استطع ان اشاهده مرة أخرى دون مرارة. ليس في الأمر مبالغة، فالنمر الذي لا يلتفت لصاحبه بعد كل هذه المخاطر التي مروا بها سويا وبعد كل هذه المشاعر التي تدفقت بينهم في ليال طويلة وسط المحيط، يشبه الواقع بكل قسوته وجبروته. ونحن نهرب لخيالنا حتى نتناسى هذه القسوة، فكيف لي ان أعود لرؤيته بإرادتي الحرة؟
حياة باي يبدأ بداية مختلفة عن الأسود في محاولة لإضفاء عمق على شخصية باي وتسامح مع الأديان التي تحلق في سماء دولة عظيمة كالهند. نجد باي هندوسي نباتي أقرب للصوفية ثم نجده يؤمن بالمسيح ويدخل الكنائس وفي مشهد آخر يصلي صلاة المسلمين في خشوع. ربما تكون مبالغة ولكنها ليست ببعيدة عن الواقع. يركب باي السفينة مع اسرته انتقالا الى كندا تاركا وراءه حب حياته وذكرياته. وتنتقل الحيوانات معهم  لبيعها في العالم الجديد. وتغرق السفينة في مشاهد مشابهة لغرق سفينة أليس وينجو من الغرق باي ومعه في القارب قرد وضبع وحمار وحشي والنمر ريتشارد باركر. لابد من رؤية الفيلم لأن المشاهد التالية، بالنسبة لي، عاصية على الحكي والوصف. فطالما غبطت صناع السينما على مشهد واحد كامل صوت وصورة وألوان ومشاعر متدفقة من الشاشة إلينا، نصفه نحن بالكتابة في صفحات طويلة وقد نفشل في معظم الاحيان في التعبير عنه في النهاية.
ولكن اعتقد انه في إمكاني التسامح مع ذلك النمر/ الحياة. لذلك اوجه إليه رسالة كتبتها مباشرة بعد مشاهدتي للفيلم: "عزيزي ريتشارد باركر في قلب الغابة: أعرف انك بخير وانك حيوان ماهر ويمكنك التأقلم في عالمك الجديد ولكني تعيسة يا ريتشارد.. انا أؤمن بروح الحيوان وأؤمن باخلاصه في الحالات الاستثنائية.. مازلت اعتقد ان في امكاني ان اكون صديقة لأسد أو لحمار وحشي ومازالت فسحتي المفضلة هي الذهاب لحديقة الحيوانات.. لماذا تصرفت هكذا إذن؟ لماذا خذلتني وخذلت باي؟ لماذا لم تنظر وراءك؟ هل تؤمن بأسطورة عامود الملح؟ انها اسطورة بشرية حمقاء لا احبها.. ليس النظر الى الخلف دائما يجمدنا، ربما فقط يترك بداخلنا مسحة حزن شفيف انساني. استطيع ان اسامحك وأتخيل انك حيوان جاد عملي تضع قناع القسوة على وجهك وتحاول ان تبدو خشن الطباع لا تبالي بما حولك ولكنك وودت ان تنظر نظرة الوداع ومنعت نفسك بصعوبة وانك الآن في الغابة تئن من الحنين وتود في اعماق قلبك ولو تركت نفسك لتلك اللحظة الفريدة التي لن تتكرر في حياتك مرة أخرى"
 الفيلمان مأخوذان من روايتين وهذا يؤكد على عظمة الأدب رغم فكرتي المشوشة عن انسيابية السينما مقارنة به.  وكلاهما ملهم بطريقته رغم سذاجة سبعينية الحصان الأسود التي لا يضاهيها نمر الألفية الجديدة.



Tuesday, January 8, 2013

عمر لوركا الذهبي


فيلم العمر الذهبي

  L’Âge d’Or، تعاون آخر بين بنويل ودالي وتم إنتاجه عام 1930 والفيلم مثل ما سبقه يركز على التعديل المزعج والمشاهد العنيفة ليحاكي احداهما الآخر ويعطي بنويل المساحة للتعبير عن نفوره وهوسه بالجنس والتركيب التشريحي للأنثى; وفي نفس الوقت انتقاد ميول لوركا الجنسية الشاذة علنا رغم صداقتهما الوثيقة.


Friday, December 28, 2012

لماذا دائما يفوز جولدمان؟

ما الشئ المشترك بين المصرفيون الاستثماريون، منظمي الأعراس، مديري الجنائز، والمعلقين على إعلانات الأفلام ذوي الصوت الأعلى دوما من الممثلين؟ رسوم عالية لمغامرات كبيرة، صفقات لا تأتي إلا مرة واحدة في العمر

لماذا دائما يفوز جولدمان؟

في صيف عام 2000، طار بي ديفيد بوور، احد أحفاد مؤسس شركة ""Standard & Poor، بطائرته النفاثة الخاصة إلى منزل عائلته بنانتوكيت في ولاية ماساتشوستس الأمريكية.
أنا على ثقة انه لن يتذكر إني فعلت ذلك. في ذلك الوقت، كان هو رئيس شركة ميريل لينش "Merrill "Lynch للخدمات التمويلية، وكنت عامل منتسب في الفترة الصيفية بقسمه. المرة الوحيدة التي حصلت فيها منه على أكثر من لمحة كانت في تلك الأجازة الأسبوعية، حينها كنا انتهينا للتو من ماجستير إدارة الأعمال ونحاول أن نلفت انتباه رئيسنا في العمل بخيلاء ونحن نرتدي قميص صيفي غير أنيق أو سروال مجعد جديد ماركة ""Nantucket Reds.
في بيت والدته الريفي تجمع عدد قليل من السيدات يتحدثن أحاديث تافهة، لقد قضيت هذه العطلة بحذر شديد احتسي مشروبات منعشة ومحاولا التلاشي في الأريكة.
بعد مرور أسابيع بعد هذه المحنة بقيت حائرا. لماذا يقوم ديفيد بوور، وميريل لينش بالتباعية، بإنفاق الكثير من المال من أجلنا؟ لقد كنا جميعا أمريكيين رائعين، أنا متأكد من ذلك، ودرسنا البيزنس في جامعات مرموقة, لكن في هذا الصيف، وكل صيف، عشرات من مئات الشباب دارسي إدارة الأعمال يكدحون بعيدا في سعادة داخل طرقات ميريل لينش البيجية اللون حتى ولو بدون وجبات طعام. بالرغم من فقد هذه الشركة للقليل منا حيث ذهبوا إلى بنك جي بي مورجان تشايس أو بنك جولدمان ساتشز، إلا انه كان من الممكن استبدالنا بدون أي جهد. ولكن الشركة لم تكن تعاملنا كمن يقوم برحلة وتعطينا غداء فخم فحسب ولكنها أيضا كانت تدفع لنا 25.000 مقابل العمل لمدة 10 أسابيع.
لقد استخدمت كلمة "عمل" بشكل موسع إلى حد ما. فلقد امتد تدريبي الصيفي حتى الربيع اقضي الوقت في ردهة حجرة التدريب، مراقبا بورصة نازداك. في الوقت الذي نعد فيه تقرير ضريبي في منتصف شهر يونيو، انخفض مؤشر التقنية الثقيلة خاسرا نحو 1.300 نقطة من ذروتها في شهر مارس الذي وصل إلى 5.132.
قبل الانهيار اخبرنا الموظفون المتحمسون أن بنوك ميريل لينش ستكون بخير مهما حدث، ففي السوق الصاعدة طرحوا الاكتتابات العامة IPOs  وفي الأسواق الهابطة سيقومون بعمليات الاندماج والاستحواذ وإعادة شراء الأسهم بدلا من ذلك. تحول هذا التنبؤ إلى وهم مثل نشرة شركة pets.com  ضعيفة الأساس. فكان المكتب كضريح جيدا تماما. فلقد قضينا معظم أيامنا وليالينا في تأدية ما يشبه رقصة الكابوكي اليابانية متظاهرين بإنجاز عمل للرؤساء الذين يعرفون بالطبع أن لا يوجد عمل لنا. بينما العشاء والرحلات والراتب الوفير في استمرار.
لماذا؟ لقد اتضحت لي إجابة السؤال في إحدى شهور أغسطس بينما احتسي شراب الكوكتيل في حانة P. J. Clarke's ، المنطقة المالية الشبيهة بنسخة معدلة من سوق اللحم. هناك شريك آخر واضح، تافه كالبوم، التفسير هو "7%".
حيث ثبُتت التحليلات الجديدة معدل "الانتشار الإجمالي"، أو الرسوم، في طرح الاكتتابات العامة، وهو النوع الوحيد من الصفقات الحية التي عملت عليها في ذلك الصيف. لتتأكد بنفسك، قامت ميريل لينش باقتسام هذه الرسوم مع البنوك الأخرى. ولكن عندما أصبحت مئات الملايين من الدولارات، كما تصبح دائما بسهولة، أمست النسبة البسيطة تساوي كثير من المال. بالتأكيد المحاسب المختص أو السكرتير القانوني قد قاموا بالشق الأكبر من عملنا. ولكن في رسوم البنوك كانت رواتبنا تحسب كخطأ حسابي ينجم عنه تقريب الأرقام لأقرب عدد عشري.
ولكن يبقى السؤال، لماذا لا ينافسوا بخفض رواتبنا إذا كانوا يستطيعوا ذلك؟ أكاد أن اجزم أن إذا عيُن ديفيد بوور ومديريه دارسي ماجستير ادراة الأعمال من جورج تاون ونوتردام عوضا عن هارفارد وشيكاغو، فإنهم كانوا سيجدوا ما يفعلوه بالمال المقتصد.
يبدو السؤال ملائما تماما في هذه الأيام، وغامض، أكثر من أي وقت مضى. بتسريح موظفي البنوك الذي انتشر في الأسواق ستفكر أن الرواتب أخيرا قد انخفضت. ولكن حتى أعضاء الكونجرس الغاضبين يبدو إنهم لديهم تأثير محدود على كم استعداد الصناعة المالية لدفع رواتب موظفيها. التحقيقات والخطب اللاذعة نجحت فحسب في إجبار الشركات على دفع المزيد من المكافآت كرواتب بدلا من صرفها كعلاوات، كما لو أن القضية الأساسية لصرف الرواتب الضخمة في إنقاذها التدريجي للبنوك كانت توقيت الصرف.
لنفهم لماذا يبدو الدفع المصرفي غريبا باصرار، لابد أن نفكر في صناعة أخرى مغلفة برواتب وفيرة جدا وهي صناعة إعلانات الأفلام.
إلا إذا كنت أصم أو كنت تعيش في اعتكاف ديني في الأربع عقود الأخيرة فانك بالتأكيد سمعت صوت دون لافونتاين الأمريكي المشهور بقوة في مجال صناعة إعلانات الأفلام والذي يعرف باسم "صوت الله". صوته الأجش الاوبرالي يُبسط الجمل ويقربها للجمهور كجملة "في عالم حيث..." ويغوينا فيلما بعد فيلم بداية من فيلم دكتور سترانجلوف إلى فيلم آل سمبسون. عندما توفى العام الماضي عن عمر يناهز السادسة والثمانين ذُكر في نعيه أن الدون كان راتبه تقريبا 30 مليون دولار في العام من جراء تسجيله لإعلانات الأفلام وللإعلانات التجارية.
بالفعل يعتبر هذا مجرد اجر، خاصة عندما يُحلل إلى اجر بالساعة.  في خلال فترة عمله الطويلة، سجل لافونتاين أكثر من 5.000 إعلان تلفزيوني وآلاف المئات من الإعلانات التجارية التي تفصل بين البرامج، ولكن بصوت أعلى كثيرا من صوت الفنانين الذين يخرجون قليلا من المناخ السينمائي ويقوموا بتسجيل إعلان لا يقل عادة عن دقيقتين ولا يطول عن خمس. شئ واحد يجعل توم كروز يتقاضى 25 مليون دولار في الفيلم الواحد وهو انه يقوم بتمثيل فيلما واحدا فقط في العام، حيث يجذب قاعدة كاملة من معجبيه ولكن لا يقوم أي شاب بسؤال فتاة لمواعدته إذا عرف إنها راغبة في رؤية إعلان فيلم جديد بصوت دون لافونتاين.
وبالرغم من ذلك، تنمو صناعة إعلانات الأفلام لتصل تقريبا إلى 100 مليون دولار، وتستمر الشركات في تعيين زمرة من المحنكين في هذا المجال الذين يدفعون بشكل جيد، بدلا من إعطاء هذا العمل لعدد من الممثلين الجائعين للفت انتباه شوارع لوس أنجلوس. وبالنظر إلى اقتصاد صناعة الأفلام فان هذا التصرف قد بدأ أن يكون له معنى.
بدأ دون لافونتاين سنوات عمله الأربعون عندما لفظ نظام أستوديو هوليوود القديم أنفاسه الأخيرة. القوات التي قضت على احتكار الأستوديو قضت أيضا على احتكار خدمة الشاشة الوطنية National Screen Service  التي كانت تقوم بإنتاج كل إعلانات الأفلام لمدة تزيد عن 40 عام. في أعقابه، بدأت الشركات المستقلة تنافس على العمل المربح، وتدريجيا بدأت تحل محل الإعلانات الرسمية التي تفصل بين البرامج التي كانت تعرض على شاشة Turner Classic Movies  حيث كان يظهر الممثل الكوميدي بوب هوب على الشاشة ليخبرك كم ستكون صورته التالية رائعة.
لأكثر من سنوات، التغييرات التي حدثت تضافرت لجعل إعلانات الأفلام والتلفزيون التجارية أكثر أهمية. في البداية كان التلفزيون ثم الفيديو وأخيرا الـDVD  الذي قلل من عدد المرات التي يذهب فيها الجمهور لمشاهدة الفيلم في دور السينما. أثناء طفولتي، شاهدت فيلم "حرب النجوم" لأكثر من 17 مرة عندما عُرض لأول مرة. ولكني بالكاد أستطيع أن أتذكر اسم لفيلم واحد شاهدته مرتين في دار السينما منذ تخرجي من الجامعة.
في أول عطلة أسبوعية بعد عرض "حرب النجوم" حقق هذا الفيلم 1.5 مليون دولار كان هذا في أواخر مايو عام 1977، ثم وصل في ذروته إلى 7.7 مليون دولار في أول عطلة أسبوعية في شهر سبتمبر. وفي بداية ديسمبر، كان مازال يحصد أكثر من مليون دولار أسبوعيا. هذه الأيام، تنشر الأفلام على اسطوانات DVD .
بسبب القرصنة والمنافسة الشديدة في سوق الـDVD ، لم يعد هناك متسع من الوقت للأفلام لتستطيع جمع جمهورها. فهم في حاجة إلى الصراخ خارج الأبواب، وجمع الكثير من المال في أسابيع قليلة، ثم يتراجعوا ليَُخرجوا دورة حياة الفيلم الجديدة للساحة الدولية ولتنظيم العرض الأول في التلفزيون وكيفية توزيعه في اسطوانات الـ DVD. لذلك تحتاج الإعلانات المروجة للأفلام إلى جذب المراهقين المتشوقين لكل ما هو غريب وغير مألوف، أما الجمهور المستهدف الناضج لصناعة الفيلم فأنهم خارج دار السينما بأعداد هائلة. الاستثمار الهائل في الترويج الرفيع هو ما يجعل اناس مثلي يقولون أن إعلان الفيلم هو الجزء المفضل منه. حتى إذا لم يجن الأستوديو أرباح من شباك التذاكر المحلي، كما يحدث معظم الوقت، فالمبيعات العالية في شباك التذاكر تساعد في بيع الفيلم في الأسواق الأجنبية.
عندما بنفق الأستوديو عشرة ملايين من الدولارات لإنتاج فيلم ثم عشر ملايين مثلهم ليعلن عنه، ثم يدفع راتب شحيح لمعلق إعلاني سئ يُفسد كل هذا الجهد. كما يمكنك أن تدفع لشخص ما يقوم بدور خليفة دون لافونتاين 300.000 دولار في الإعلان وتظل تحصل فقط على نسبة ضئيلة من الميزانية الفعلية للفيلم. فالصوت السيئ سيكلفك أكثر كثيرا من ما تتمنى أن تكسبه. عندما يكون لديك فرصة واحدة لتفعل هذا بشكل صحيح، فانك ستميل إلى فتح حافظة نقودك ثم تصلي لله. لذلك فان الاتفاقات لتصوير لقطة واحدة فقط مكلفة بشكل مرعب وهذا هو المنطق الذي يسود حفلات الأعراس والجنائز والدبلومات الجامعية.
نفس المنطق يوضح لماذا ينوي العملاء دفع رسوم سخية لبنوك الاستثمار للقيام بالاكتتاب وبالعروض الثانوية والاكتتاب في السندات والاندماج والاستحواذ والعمل الاستشاري. غموض استثمار الرسوم البنكية غالبا ما يتحدد كنوع من مديري البنوك المخادعين الساذجين أو المديرين الذين يغدرون بمساهميهم في مقابل مكان شاغر في طائرة ميريل لينش الخاصة. ولكن الرأسماليون المغامرون الواقفون خلف الكثير من الاكتتابات العامة ليسوا مبتدئون تحت رحمة المصرفيين الكبار، فهم ومديري الشركة يعتمدون على الاكتتاب العام القوي وسيولة ما بعد البيع لان هذا يسمح لهم باسترجاع جزء من أموالهم الموجودة خارج الشركة. فإذا تسامحوا فيما يخص الرسوم الكبيرة فلابد من وجود سبب لذلك.
عندما قام البنك الاستثماريWR Hambrecht + Co  بإقناع شركة جوجل لاستخدام مزاد لاكتتابها العام في 2004، كان هناك أحاديث كثيرة عن نهاية الاستثمار البنكي التقليدي. بعد مرور خمس سنوات أصبحت شركة جولدمان ساكس مهيمنة أكثر من أي وقت مضى، كما أصبحت المزادات نادرة الحدوث. يمكن لشركة جوجل أن تعتمد على اسمها لبيع الأسهم وخلق سوق ثانوية قوية حيث يمكن لموظفيها ممارسة حقهم في بيع أو شراء الأسهم. ولكن معظم الشركات في حاجة إلى مساعدة أكثر. بالرغم من أن جولدمان ساكس قد لا يكون صفقة إذا كنت تقوم باتفاقات من نوع "تصوير اللقطة الواحدة"، فانك قد تريد أن تدفع أكثر لتسمع شئ واحد لن يستطيع المُدعِ الجائع أن يقوله لك: أن الشركة تدرك كيفية قيادة الوضع الحقيقي والمعقد وذلك لأنها فعلت هذا الأمر كثيرا من قبل.
بالطبع، الاكتتاب ليس هو المكان الوحيد الذي تصنع فيه الشركة المالية والعاملون أموالهم. ولكن منطق "صفقة تصوير اللقطة الواحدة" يطبق على مدفوعات التجار وآخرون كثيرين. وقت الحساب سيأتي سواء كانت الصفقة جيدة أم لا، هذا الوقت صعب لدفع الدين قبل استحقاقه وإذا سارت الأمور بشكل خاطئ فمن الصعب إصلاحها . في هذه الحالات، حتى الإشارة لوجود مهارات ضعيفة، بوسعنا ضرب مثال بمتدرب حاصل على ماجستير إدارة أعمال من مدرسة عليا، فان الحصول على مكافأة مجزية أمر مستحق.
لم احصل على عرض عمل دائم من ميريل لينش في نهاية الصيف، فكلا من الشركة وأنا أدركنا مبكرا إني لا امتلك نزعة داخلية للاستثمار البنكي. (حتى في صفقة "تصوير اللقطة الواحدة"، الإشارة الضعيفة تصل بك إلى هذا الحد). العديد من زملائي الذين حصلوا على عرض العمل كدحوا لعام أو اثنين ثم تم وقفهم عن العمل أو تركوا هذه الوظيفة لأخرى تسمح لهم برؤية الشمس من حين لآخر.
ولكن الذين بقوا في هذا المجال استطاعوا أن يجمعوا مالا وفيرا، وساعدوا في تدعيم استحواذ كونجرسي آخر (رفع أمريكا للدخل بشكل متفاوت). وتقترح الأدلة المتنامية أن تضخم القطاع المالي الفادح فسر جزء كبير من الفجوة الآخذة في الاتساع بين الأغنياء والفقراء على مدى العقدين الماضيين. حتى بالنسبة إلى شخص متحرر بشكل جوهري مثلي فان هذا يمثل مشكلة. فالأسواق المالية مساهم ذو قيمة كبيرة في الاقتصاد. ولكنها ليست بالقيمة التي تجعلها تمتص معظم الزيادة في الدخل خلال العقود القليلة الماضية.
بينما يمتثل هذا المقال للطبع، أُعلن جولدمان ساكس لتوه تحقيق أرباح قياسية، والتفت الإشاعات حول المعيار السنوي الجديد لراتب المصرفي. كم من الوقت يمكن لذلك أن يستمر؟ في كل مرة يتم الإعلان عن علاوة احد المصرفيين، يصيح الكونجرس، ويبحث موظفيه عن طريق شبه قانوني لتغطية الرواتب المالية. ولكن البحث الأخير للاقتصاديين توماس فيلبون وارييل ريشف يقترح الآتي عندما يسمح تحرير الأسواق من السيطرة الحكومية للقطاع المالي المعقد ولاسيما في ميادين الاكتتابات العامة ومخاطر الائتمان التنافسية، فان أجور العاملين الممولين ستبقى في تضخم خطير نسبة إلى العاملين في باقي مجالات الاقتصاد.
هل يستحق الأمر حزم التعقيد والمخاطر من اجل الحد من راتب المصرفي؟ الآن، تبدو الإجابة واضحة. ولكن التكنولوجيا والفقاعات الائتمانية خلقت ودمرت في نفس الوقت، بافتراض أننا نخطط للحد من كساد النشاط الاقتصادي والوظيفي الحالي، لن نكون بالضرورة أفضل حالا في خمس سنوات أو عشر إذا حاولنا طرد العائدات الزائدة خارج القطاع المالي.
للأسف، التنظيم نفسه واحدا من صفقات "تصوير اللقطة الواحدة"، لن نعرف حتى وقتا طويلا إذا ما كنا قد فعلنا ذلك على نحو صحيح أم لا. ربما يجب على العم سام أن يقضي وقتا اقل في القلق على رواتب المصرفيين ووقتا أكثر في التودد إلى المنظمين المتوقعين لرحلة خيالية فوق طائرة خاصة.



ترجمة: أميمة صبحي
عن دي اتلانتك - نُشر في وجهات نظر

Sunday, October 21, 2012

ثوروا فُرادى


 رفض الابنة الكبرى لعق جسد كريستين كان بداية الشرارة التي اشعلت فضولها وثورتها الخاصة، فالرفض هو دائما البداية المجيدة. الثورة في المعجم الوسيط هي: تغيير أساسي في الأوضاع السياسية والاجتماعية يقوم به الشعب في دولةٍ مَّا. فالثورة فعل جماعي يقوم بها الجموع/الشعب لتغيير أوضاع مختلفة المستويات. لا وجود للفرد الواحد في التعريف المعجمي للكلمة. ودائما ما يتم تعريف الكلمة وفقا لمدلولاتها التاريخية فنجد ان تعريفها التقليدي وضع مع بداية انطلاق الثورة الفرنسية 1789، وطورها الماركسيون بما يتناسب مع فكرهم بان الثورة هي ثورة البروليتاريا/الطبقة الكادحة. فالثورة فعل سياسي بحت تنحصر تحت بند قيام شعب ما بالثورة ضد الحاكم الظالم... ونقطة. الرؤية المتعالية/زاوية عين الصقر في فن التصوير لفعل انساني مثل الثورة تحيلها الى سطور في الكتب والمعاجم. الثورات كالحروب قام بها اعداد غفيرة ووقع تحت اقدامها الكثير ولكنها تختلف ان فعل يثور فعل له ارادة، فالثائر خرج من بيته بارادته، تمرده الكبير ضد السلطة ،في رأيي، نشأ من تراكمات تمردات اصغر واقل ثورية ولكن المحارب بالطبع دفع به دفعا باستثناء المحاربين لحماية/استرداد حق ما. فطوبى للثائرين في كل مكان الذين درجت اسمائهم تحت ارقام الشهداء والمشاغبين


.

تبدأ الابنة الكبرى في استغلال كريستين ومساومتها، اعطيني اكثر لالعقك والا سأخبر والدي. وتنجح في وضع يدها على شريطي فيديو نستنتج من تفاعلها مع اخويها انهما عن فيلم ربما يدور حول الملاكمة. شغفها بالمعرفة هو ما يحركها فتتحس خطها لغرفة امها وتكتشف التليفون لأول مرة في حياتها. وتبدأ الثورة بعد ان تكسر الناب لتخرج من الشرنقة الى الحياة في شنطة سيارة والدها. تبدو لي عائلتها كالدولة العثمانية التي عانت من مرحلة تخلف واضحة في أوائل القرن التاسع عشر، وأسماها المؤرخون بـ(الرجل المريض)، وكان هذا الضعف يوازيه ازدهار وتقدم في أوروبا، وبدأت أوروبا تطمع في أملاك هذا الرجل المريض لكي تمد الحركة الصناعية عندها بالخامات، فكانت الحملة الفرنسية على مصر(1798م– 1801م) هي إحدى البدايات المؤسِّسة لمعرفة الآخر، وقد كانت المواجهة بين البندقية والسيف، هي بالأساس مواجهة بين حضارة ناهضة واعدة، وحضارة آفلة، ومنذ تلك اللحظة بدأ المجتمع العربي يعي أنَّ هناك آخر ناهضاً، وحضارة غربية قوية، وهنالك بدأ البعض يعي طبيعة الانحطاط والتدهور الذي يعيش فيه العالم العربي. الحملة الفرنسية التي كانت بمثابة شريطي الفيديو الذين تم التساوم عليهم أبهرت المصريين بشدة فمصر كانت في واقع بئيس، حيث أسوأ حالاتها الفكرية والروحية والسياسية والعسكرية، ولذلك لما واجهت الحملة الفرنسية وهي على ذلك الحال حدث الانبهار الحقيقي بتلك الحملةِ الذي ما زالت آثارُه ممتدةً لدى بعض المثقفين حتى الآن. ويصور المنفلوطي الصورة التي انتهت إليها الحال بعد مجيء الحملة الفرنسية حيث يقول: "وأصبح السيد في بيته يستحي من خادمة غرفته الأوروبية أن تطلع على جهله بعادات قومها في خلع الحذاء ولبس الرداء أكثر مما يستحي من الله عز وجل".  فقد حدث نوعٌ من الانبهار الحقيقي الذي عبَّر عنه الإمام البنا في بعض رسائله الإعجاب بالخصم إعجابًا يؤدِّي إلى تقليده في كل ما صدر عنه. ارباب العائلة اليونانية/الدولة العثمانية التي نشرت الجهل والتخلف او على الاقل لم تمنع انتشاره، الابنة الكبرى (الفرد)/الشعب الذي وقف فارغا فاه امام شريط الفيديو/الحملة الفرنسية. يمكننا اعلاء قيمة الفرد في هذه الحالة الثورية بذكر على سبيل المثال رفاعة الطهطاوي الذي ولد ابان الحملة الفرنسية المدهشة وكان سفره لفرنسا نقطة تحول لمسار حياته وثقافته ودعوته للتثقف والعمل.

السينما هي الكتب التي خلدت الفرد الثائر مقابل التاريخ الذي لم يتبق منه غير الجموع المرئية بعين الصقر. فيلم "ناب" 2009 للمخرج اليوناني   يورجس لانثيمو. يبدأ بصوت الام وهي تشرح بعض معاني كلمات جديدة ليتعلمها اولادها الذين تجاوزوا سن المراهقة بشهور قليلة على ما يبدو لنا. تقول لهم ان "بحر" تعني الكرسي الكبير وان "النزهة البرية" تعني المادة شديدةالمتانة....وهكذا يتم تشويه الوعي الجماعي لهؤلاء الشباب في بيت كبير مسور بسور عالي في منطقة نائية بعيدة عن الناس حيث لا يوجد شئ او احد. تأتي كريستين من العدم فقط لتشبع رغبة الابن الجنسية الذي تعامل معها الابوين كرغبة حيوانية لابد ان يتم اشباعها من حين لاخر ومن هنا تكون كريستين الوصلة الوحيدة بين 
الابنة الكبرى وبين العالم الخارجي


.

النماذج السينمائية على الثورة الفردية كثيرة. حيث الوعي العقلي الأوحد في أجمل تجاليته الانسانية واحساسه بتفرده وامكانيته لاحداث التغيير على المستوى الشخصي الذي سيقوده حتما للثورة الجماعية التي تكتب التاريخ. يراودني فارس/الحريف الثائر للمخرج محمد خان 1983 الذي اراه ثائر فاشل لا يرقى لكتابة تاريخ وسط مجموعة. فارس الذي استسلم للقيود الاجتماعية واذعن الى الاستقرار والكف عن اللعب/خلاص يا بكر..زمن اللعب راح. انها حالة الكف عن الثورة والعودة الى زوجته/المجتمع الذي لا يتقبل فردا يفضل لعب "كورة الشارع" على ان يكون "صنايعي وكسيب". يقابله نورا في رسائل البحر للمخرج داوود عبد السيد التي يعصف ذهنها كل ليلة ويهزمها ضعفها، أتبقى زوجة ثانية تنال احترام الجموع التي يسيل لعابها امام اللقب رغم عدم احترامها لنفسها واحساسها بانها فتاة ليل تلعب بجسدها؟



اما تخسر احترامهم وتصنع ثورتها الخاصة وتكسب نفسها؟. نورا خسرت الجموع امام جموح الثورة اما فارس فخسر نفسه ليكسبهم. انها الاشكالية التي ابينا التعايش معها خلال ثورتنا، الرضوخ لدعاوى الاستقرار وترك مبارك لآخر مدته ام المضي قدما بمفردنا!. اعرف ان الميدان طالما ضج بمناقشات صاخبة، اين نحن؟ هل نكمل ام نتوقف؟ وطالما كنا وحدنا، سواء في الميادين الواسعة بالمدن أو الميادين الواسعة بعقولنا من داخل البيوت. كيف يتسنى لايام عظيمة كهذه ان ترمي بنا الى هذه الضحالة؟. انه الحزن المصاحب للثورات بلا شك.

دائما ما استوقفني الفيلم الصادم "الحالمون" للمخرج الايطالي برناردو برتولوتشي، فيلم ذو ثورة صادمة ربما على ما نعرفه من قواعد وانظمة بشرية. يبدو لي اجمل ما صور الثورة يوما. الثورة هنا مختلفة، انها للداخل. لا تستسيغ الواقع كثيرا فتغرق في احلامك وتبتعد عنه وتكسر كل قيوده. كما ان الفيلم يضع الثقافة والحرية الاوروبية امام نمط الحياة الامريكية.



فهناك ماثيو الامريكي الذي يدرس في فرنسا وليس لديه اصدقاء ويتعرف لاحقا على ايزابيل وثيو الاخوين الفرنسيين وينتقل ليعيش معهم. في البداية ينزعج من نمط حياتهم البوهيمي الثائر على النظام المفترض تطبيقه ثم يبدأ يندمج معهم ولكنه حائر في حالة عدم استيعاب لما يحدث. وتدريجيا ينسحبوا جميعا من الواقع وينغمسوا في حبهم للسينما الكلاسيكية واعادة تمثيل وتقليد المشاهد. ثورة كاملة، نومهم عاريا متجاورين وممارسة ماثيو وايزابيل الجنس بشكل فوضوي، لا مجال للطعام والنظافة والنوم وفقا لمواعيد ثابتة، لا مجال للحياة الروتينية المنتظمة الايقاع المملة ذات القواعد الثابتة التي تعارف عليها البشر واقرتها الاديان. انما ثورة على هذا ربما في محاولة لايجاد حياة موازية اكثر اتساعا ورحابة لحرية ورغبات الانسان الجامحة. لا يخرج الاخوين الى الواقع غير بحدوث انتفاضة مايو 1968...توقفوا عن ثورتهم الداخلية ليكونوا في الصفوف الاولى للثورة الكبرى الامثل بالنسبة لهم. لم يفهم ماثيو الامريكي اصرارهم على المشاركة في الاحداث، الحلم الامريكي المكتمل الذي لا يبحث عن الحرية لانها بالفعل موجودة والذي ربما لا يفهم سعي الشعوب ورائها بهذا النهم والشغف. يذكرني بمقولة ماري انطونيت الشهيرة "ياكلوا جاتوه"!.

 وتبقى الثورة فعل فردي مقدس بالاساس لن يقوم بها الجموع الا اذا اختبروا الثورة الفردية اولا.

أميمة صبحي



Tuesday, September 1, 2009

Marvin's room



Pissy: I've been so lucky. I've been so lucky to have Dad
and Ruth. I've had such love in my life.... and I've had such...such love.

Ley: They love you very much.

Pissy: That's not what I mean. No.
I mean that I love them. I have been so lucky to be able to love someone so much.