Showing posts with label الاسلام. Show all posts
Showing posts with label الاسلام. Show all posts

Monday, January 7, 2013

الاشتهاء.. عربيا


جوزيف مسعد بعد ادوارد سعيد

"اشتهاء العرب" للكاتب جوزيف مسعد، ذلك المشروع المتميز الذي يغامر في منطقة مجهولة هو بمثابة تتمة لكتاب "الاستشراق" لادوارد سعيد وبحث ميشيل فوكو حول الجنسانية.
بينما يركز مشروع سعيد على انتاج المعرفة في أوروبا عن العرب والمسلمين أثناء القرن التاسع عشر، والروابط المعقدة لهذا المشروع الاستعماري والمسئولية المباشرة لتركيب ذات "الشرقي"، يسعى "اشتهاء العرب" بشكل آخر إلى سد الفجوة في تلك الدراسات الاكاديمية التي حللت التصوير الاستشراقي موضحا تأثير الاستشراق والنعرة العرقية ‘حسنة النية‘ في خطاب الدفاع عن حقوق الإنسان" (صفحة 418) ويلتزم "بتشكيل الإدراك الحسي للعرب حول أنفسهم وحول بعضهم منذ نهضتهم في القرن التاسع عشر (صفحة 48) على نفس القدر من الأهمية، فإن "اشتهاء العرب" يوضح إغفال الدور الذي أداه المشروع الاستعماري في التصورات حول الجنسانية والشهوة في كتاب فوكو المهم والرئيسي "تاريخ الجنسانية".
يعتبر كتاب مسعد "اشتهاء العرب" رحلة فكرية مغامرة تؤرخ لكيفية "تطور تأريخ العرب الحديث والمعاصر ليشير بشكل كبير إلى التبرؤ ليس فقط من عشق الرجال للغلمان ولكن أيضا من كل الرغبات الجنسية التي يتم تعريفها على أنها جزء من ماضي العرب والتي تشجبها أوروبا الآن وأحيانا أخرى تناصرها. صفحة 1.    
وبما أن عنوان الكتاب يوحي بمشروع مسعد المتطلع الذي يفتح طريقين متوازيين. فهو يصف كيف أن الخطاب الثقافي الاستعماري المسيطر على العرب شكل تصوراتهم حول أنفسهم بنتاج عقلاني فطري معاصر. وفي نفس الوقت يلفت الانتباه للممارسات والهويات الجنسية في النصوص العربية المدونة في القرون الوسطي ويوضح كيف إنهم قاموا بالتفكيك والكشف عن مدى أن تلك التصورات الحديثة عن النفس تعتبر نتيجة للنزعة الاستعمارية والامبرالية الثقافية.
لا يقدم مسعد في مجمل الكتاب حجة لتأييد المحلية القوموية غير الغربية أو لتأييد وجهة النظر القائلة بوجود ماض سعيد خال من البؤس والاضطهاد يسبق العنف المعرفي والأخلاقي والسياسي الذي تم ممارسته على غير الغربيين. بالاحرى تتجه نيته إلى الاعتراض على المحلية القوموية الغربية المدعم بالحماسة الروسوية مع نزعة لدفع الناس نحو الاستقلال والحرية، أو محلية قوموية غربية تعتبر دمج العالم بمبادئه في ذات نفسه  تحرر وتقدم، خطوة نحو تعميم مفهوم تطور الإنسان. (صفحة 42)
وكمثال على هذه الممارسات المهيمنة يظهر مسعد الانشغال الكامل بشكل الشخص الماجن في الأدب العربي الكلاسيكي. خلال الخمسينات قام مؤرخو الثقافة العربية المتفاعلين  مع تصورات المستشرق حول الهويات والممارسات الجنسية العربية بتحويل الماجن إلى الصورة المرضية للمنحرف، فتم تحويله مؤخرا إلى شخص "مثلي".
أصبح المثلي فيما بعد الثمانينات ("قلق رئيسي شعبي وسياسي بالنسبة للإسلاميين والمجتمع المثلي بنطاق واسع، وكنتيجة وعلى نحو متزايد فهو قلق بالنسبة للسياسيين ووسائل قمعهم وإنتاجهم"). (صفحة 416)
كي يكشف كيفية حدوث هذه التحولات والتي أدت الى الوصم الاستشراقي لهويات العرب الجنسية ولشهواتهم المثلية أدرج مسعد نفسه ثلاث مهمات:
1) تنظيم الأرشيف العربي المعاصر المكتوب عن الجنس والشهوة النابع من الأعمال المكتوبة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين التي توضح التاريخ والثقافة العربية والإسلامية منذ بزوغ الإسلام.
 2) توضيح مدى تكيف وتشكل الأدوار الفكرية والأدبية مع الافتراضات والتصورات والخطاب الغربي الموجود بالفعل عن الجنسانية و الشهوة في ماضي وحاضر العرب.
 3) شرح كيف أن هذا الأرشيف الغربي يتراوح بين افتراضات المستشرق والنظرية الداروينية وبين حقوق الإنسان والخطاب التنموي،  وانه عامل مؤثر رئيسي في البنية الذاتية للعرب المعاصرين بالإضافة إلى تصورات السلوك الجنسي العربي في التاريخ الفكري والثقافي للعربي المعاصر.
 من خلال رسمه لهذه الخارطة يؤسس مسعد ببراعة علاقة حاسمة بين الدور الغربي والاستعمار في بناء خطاب جديد عن الشهوات والسلوك الجنسي للعرب وكيف تم استدخال هذه الافتراضات بواسطة العرب أنفسهم. ويحلل مثل كيف أن وهم وثقافة خطاب الداروينية والمستشرق الغربي أصبح مفتاح تقييم العرب والحضارة الإسلامية على انها متخلفة وتعيش في عصر الانحطاط بالإضافة إلى اعتبارها فضاء ثقافيا للجنس المتهتك في القرون الوسطى والعصر الحديث المبكر. كما يحلل مثل كيف أن التركيبات الاستعمارية التي كانت في القرن التاسع عشر تجاهلت التصورات الإسلامية والعربية في القرون الوسطى حول الجنسانية والشهوة وتقريبا مكنت الخطاب الإمبراطوري المعاصر ضد العالم العربي كما لو انه موقع الكبت الجنسي. بدأت الأفكار العربية العقلانية ابتداءا من القرن التاسع عشر لإيجاد دليل يتحدى التصورات الغربية. ومع ذلك بدلا من إثارة قضية الافتراضات الأساسية والتصورات العرقية فان الكُتاب العرب استدخلوا وتبنوا وأعادوا إنتاج وعجزوا عن الاعتراض على هذه الأفكار المخترعة حديثا في النظرية الداروينية فيما يتعلق بمفهومي الحضارة والثقافة بالإضافة إلى الآراء الفيكتورية عن "الجنس الفاضح".
وقد تخلل هذا المشروع القادر على الاستيعاب الثقافي والعرقي على حد السواء عدة نماذج  من الكتابة العربية عن الادب كما بينت كتابات معلمين ليبرالين ومؤرخين مارسوا التحرر الجنسي منذ القرن التاسع عشر بالضافة الى أدبيات الوطنيين والقوميين العرب ومفكرين علمانيين راديكاليين ومتدينين واسلاميين كما هو الحال ايضا في أدبيات المحللين النفسيين العرب ونقاد الادب والماركسيين والنسويين والنسويات بجانب الروائيين والشعراء في جل اعمالهم، كما يحاجج مسعد ان المفكريين العرب يحاولون في هذه الادبيات اثبات لكل العرب من ناحية والأوربيين من ناحية أخرى أن العرب شأنهم شأن الأوربيين في المستوى الثقافي والحضاري، بالرغم من أن الأوربيين مصممون على معاملة العرب على إنهم اقل منهم (صفحة 417)
في الستة فصول الذين هم محتوى الكتاب يقدم مسعد تحقيق جديد عن تاريخ تصورات الرغبة الجنسية في مجموعة متنوعة من التاريخ والأدب والثقافة والإنتاج العلمي العربي وقد قدمهم معا لأول مرة لينظم أرشيف معاصر. هذه المادة تتضمن كتب تاريخية وكتب رحلات ومذكرات وكتب طبية واجتماعية ونفسية بجانب كتب عن الدين وروايات وأفلام ومجلات وجرائد وصحف التي تمثل قرنين من الإنتاج الثقافي العربي بواسطة رموز فكرية بارزة مثل رفاعة الطهطاوي، جورجي زيدان، قاسم امين، طه حسين، احمد امين، سلامة موسى، سيد قطب، نوال السعداوي، فاطمة مرنيسي، حسين مروَة، صلاح الدين المنجد، والروائيين وكتاب المسرح الرواد مثل نجيب محفوظ، رئيف خوري، سعد الله ونوس، يوسف ادريس، صنع الله ابراهيم، غادة السمان، محمد شكري، حنان الشيخ، جمال الغيطاني، علاء الأسواني وغيرهم الكثير.
فيعتبر الهدف من هذا الأرشيف المعاصر واجتهاد مسعد وتحليله المتميز لهذه المادة التي كونت بحثه مبتكر وفاتن ومؤثر في آن واحد، والأبعد من ذلك أن أهمية عمل مسعد الأرشيفي تمتد ليس فقط لتسجيل وتوليد جدال حول الرغبة الجنسية التي تم كبتها ولكن الأكثر أهمية، كما يقول هو، "في إشارة نحو مستقبل لم يأت بعد، لاسيما لمقاومة المحاولات من جانب عدد من القوى لتحديد وكتابة مستقبل مسّبقا". صفحة 418
ويعد "اشتهاء العرب" بحث جيد ومصقول بشكل ملحوظ وعينة من الإطلاع مدعمة بوثائق. في الواقع،  يشكل بحث مسعد الجدير في مجموعه الكلي اسلوب بحث متماسك وفعال بدرجة عالية تسمح بتطور متزامن لبحثه بعيد المدى.
في وسط هذا المشروع الممتد بالأساليب التحليلية التي تحاول إيضاح مجالات متعددة للدراسة يثير تساؤل ثقافي: ابداعتها وإنتاجها وقمعها أثناء الاستعمار وبعد الاستعمار في الشرق الأوسط. وككثير من أعمال مسعد الاخرى فان "اشتهاء العرب" يتحرى الفضاء الخطابي والمؤسساتي التي نت خلاله تخترع الثقافة تحت كل من الحكم الاستعماري خلال الممارسات الاستعمارية التي حاولت تشيئ الاختلافات العرقية والدينية، وكذلك من خلال السياسة الثقافية لدول الاستقلال ما بعد الاستعمارية في جهود لتوحيد الأمة والهوية والانتماء القومي. في حدود هذا الإطار بحث مسعد الجدير يوجه نفسه ويتحاور مع عدة تخصصات مثل الدراسات الشرق أوسطية، التاريخ الفكري، الدراسات الثقافية، دراسات ما بعد الاستعمار ودراسات النوع الجنسي. ان المشروع الأرشيفي الضخم في "اشتهاء العرب" يوضح قدرة مسعد المذهلة في تقوية اسلوب البحث عبر تحويله إلى بناءات عابرة للتخصص وأصلية لمقاربة مجالات وتخصصات مختلفة من الدراسات الاكاديمية.
فهذا الكتاب إذن هو مساهمة رئيسية في الكتابات الاكاديمية في تخصصات عدة منها دراسات الشرق الأوسط، الدراسات عن الجنسانية والمثلية، تاريخ العرب الفكري والدراسات الاستشراقية، كما سيكون له تأثير قوي على دراسات الأدب العربي الحديث أيضا. ولذلك لم تكن مفاجأة أن "اشتهاء العرب" حاز على جائزة ليونيل تريللينج للكتاب عام 2008 وهي جائزة مرموقة تقدمها جامعة كولومبيا. ويشير منح الكتاب هذه الجائزة التي تكرم ذكرى الاكاديمي والمثقف ليونيل تريللينج الى الاقرار بدور مسعد الموازي كمثقف يخاطب قاعدة واسعة خارج الاكاديمية من جهة وعلى ان انتاجه الاكاديمي يظهر نفس المستويات المتميزة التي عرفت عن اعمال تريللينج.

ترجمة: أميمة صبحي
كتابة وتعديل: د. سامية محرز
  2009 -نُشر في مجلة وجهات نظر 

Tuesday, December 25, 2012

فنون التعايش: المسيحيين واليهود والمسلمين وصنع الثقافة القشتالية


خطوة إلى داخل المسجد العظيم في قرطبة لتجد نفسك قد انتقلت إلى وقت يبدو انه قد تجمد والى مساحة آخذة في التلاشي (انظر الصور التوضيحية صفحة 42). في كل مكان تنظر إليه، ستواجه أعمدة طويلة من الآفاق المنحسرة، حوالي 850 عامود في المجموع الكلي، والتي ترتفع ضعف صفوف الأقواس المتداخلة المكونة من الحجر الأبيض والطوب الأحمر بالتناوب. يغمرك انطباع قوي بالانتظام والاتساق وفوق كل هذا بالسكون السرمدي.
بالإضافة إلى انه للوهلة الأولى يبدو الاتساق كمعرضا لآثار متنوعة غير متطابقة كالأعمدة الرخامية، على سبيل المثال. عندما باشر أمير المسلمين عبد الرحمن الداخل فاتح الأندلس بناء المسجد العظيم في عام 780 ميلادية، استغل الأعمدة وتيجانها المسلوبة من المباني القوطية والرومانية التي وجدت في رقعة كبيرة تمتد من شمال أفريقيا إلى مدينة ناربون جنوب فرنسا.
إذا عكس المسجد روح الأثر العظيم المسجد الأموي في سوريا التي فر منها عبد الرحمن الداخل بعد سقوط الدولة الأموية، فهو أيضا قد استلهم تصميمه من المباني الرومانية ومن الأشكال المحلية الوطنية للأسبان القوطيين. بالطبع، وفقا للتاريخ فقد بنى هذا المسجد على أطلال كنيسة القوطيين المتهدمة "سان فيسنتي"، هو مكان للعبادة شارك المسلمون فيه المسيحيون حتى بدأ البناء الجديد. ومن الجدير بالذكر أن كنيسة "سان فيسنتي" نفسها تم بناؤها على أطلال معبد روماني.
قرطبة القرون الوسطي، بجانب المسجد العظيم في قلبها، كانت مركزا حيث التقاء الثقافات والحضارات واندماجها سويا.
بجانب أشكاله المعمارية الانتقائية من كل صوب، فان هذا المسجد كان أيضا انتصار مؤكد للهيمنة الإسلامية، الهيمنة التي كانت في عهد عبد الرحمن الداخل وخلفاؤه الأمويون ممتدة حتى الحدود الشمالية لشبه الجزيرة الايبيرية أو جزيرة الأندلس كما كانت تسمى في عهده، حيث مازال المسيحيون قابعون.
تلك الهيمنة التي بدأت عندما عبر جيش البربر أو الامازيغ مضيق جبل طارق في عام 711 ميلادية واسقطوا الدولة القوطية، الوريثة لرومان أسبانيا. كان الفتح سريعا، وعندما اصبحت الخلافة الأموية في قرطبة وصلت لأوج قوتها في القرن العاشر. فكان الزوار المسيحيين ينبهروا من ثراء وعظمة هذه الدولة وقد أخفى هذا الهشاشة الداخلية التي أدت إلى الصراع على السلطة وهذا بدوره كان سببا في السقوط في حرب أهلية. في عام 1031 انقسمت الدولة لأكثر من عشرين دويلة يتولى حكم كل منهم أمير من الأمراء الذين أطلق عليهم لقب ملوك الطوائف. مع سقوط الأمويين كانت أيام قرطبة العظيمة قد أوشكت على الانتهاء، وأخذت طليطلة مكانها كمركز للحضارة الإسلامية، وهي تقع مع ما كان يشكل آنذاك الحدود الشمالية للدولة الأموية مع الممالك المسيحية. وهي المدينة التي كانت في وقت سابق عاصمة القوط الأسبانيين، وقد أصبحت فيما بعد عاصمة أحدى دول ملوك الطوائف، باهرة الزوار المسيحيين بعظة وبهاء رفاهية الحياة بها كما كان أجدادهم ينبهروا بعظمة قرطبة. ولكن الضغائن الداخلية الناتجة من انقسام أسبانيا الإسلامية أعطت للمسيحيين فرصتهم. في عام 1085 قام الفونسو السادس ملك الممالك المتحدة قشتالة وليون، والذي كان قد تذوق طعم طليطلة أثناء نفيه المؤقت عن مملكته، بدخول المدينة بجيشه بانتصار. ومن ذلك الوقت فصاعدا بقيت طليطلة في يد المسيحيين. ولكن إذا كان هذا مؤشر لنهاية قصة ما فانه كذلك مؤشر لبداية أخرى. هذه القصة الممتدة من القرن الحادي عشر إلى القرن الخامس عشر تم قصها بحيوية بواسطة ثلاث من الكتاب في كتاب "فنون التعايش بألفة". ثلاثتهم متخصصون في التاريخ الثقافي لأسبانيا في العصور الوسطي، بجانب ماريا روزا منوكال الباحثة المعروفة ببحثها المهم عن الحضارة الأسبانية في العصور الوسطي "زخرفة العالم: كيف تسنى للمسلمين واليهود والمسيحيين أن يتعايشوا في ظل ثقافة من التسامح في أسبانيا في العصور الوسطي" وكان الهدف من هذا البحث هو إعطاء فكرة للقراء الغربيين عن إنجازات وتأثير الأندلس الإسلامية، ويسير كتاب "فنون التعايش بألفة" على نفس نهجه. فهو كتاب للقراء العاديين
من غير المتخصصين ولكنه يعد واحدا من أكثر الكتب المنشورة حديثا التي تؤخذ في الحسبان على إنها متخصصة في التاريخ الأسباني في العصور الوسطي، ومن أكثر الكتب التي تم تكريسها لتكون مقال ببيلوغرافي واسع النطاق.
لا يوجد أي ملاحظات على النص، ولكنه يحتوي على العديد من الادراجات المطبوعة على خلفية برتقالية اللون التي تمد القارئ بالمعلومات الإضافية عن الأشخاص والأماكن إلى جانب مختارات من نصوص معاصرة سواء كانت نصوص أصلية أو مترجمة. والنتيجة كانت كتاب جذاب مزود بالرسوم التوضيحية ببذخ ومنتج بشكل رائع، رغم أن وزنه يعتبر عائقا فلا يحمل بسهولة في اليد.
تاريخ شبه جزيرة ايبيريا في العصور الوسطي يعتبر سلسلة معقدة من الممالك المتنافسة، بربريين ومسيحيين، متفرقين ومندمجين وإعادة تشكيل أنفسهم كانت تنوع محير من التبادل والتركيب، مقدمة تحديات هائلة لأي مؤرخ. بمواجهة مهمة جعل التاريخ أكثر إدراكا للقراء العاديين، حافظ مؤلفو "فنون التعايش بألفة" على الحد الادني اللازم لفهم الخلفيات السياسية والعسكرية للأحداث التاريخية. وقد ركزوا اهتمامهم على التاريخ الثقافي الذي هو اهتمامهم الأول. بالنظر لثراء التاريخ الثقافي نظرة خاصة. الفن والعمارة والإنتاج الشعري في شبه الجزيرة الايبيرية خلال القرون الوسطي يعتبروا نوعية بحث مدهشة لا يمكن لضوئها أن يخفت بسهولة، خاصة عندما يكون متقد ومقدم بشكل جيد ككل هذا.
ماذا كان يوجد هناك في شبه جزيرة ايبيريا في العصور الوسطي ليجعلها في ثراء إبداعي؟ في منتصف التاريخ الايبيري من القرن الثامن إلى القرن الخامس عشر بدأ تغيير الحدود. فالفتح العربي البربري لايبيريا في خلال القرن الثامن حدث بشكل عكسي بواسطة حركة المسيحيين التدريجية الجنوبية من شمال أسبانيا حتى المقاطعة التي فتحها المسلمين. هذه الحركة، امتدت عبر كثير من القرون والى حد ما وبشكل مضلل عرف هذا الاسترداد الذي صور على ليكون استعادي بأنه حرب مقدسة ضد الإسلام. في الواقع، بالرغم من أن المسيحيين عكسوا الحملات الصليبية على جهاد المسلمين، إلا أن الحرب بينهم قد تخللها فترات طويلة من السلام. وكان المسيحيون والممالك الإسلامية يتحدون ويفسخون الاتحاد بينهم وكأن الأمر ضرورة حتمية. وقد انتهت عملية الفتح نفسها فقط في عام 1492، عندما استسلم أخر حصن إسلامي، مملكة غرناطة التي ضعفت بشدة، إلى جيش الملكة ايزابيل وزوجها فرناندو الثاني، حاكمين أسبانيا المتحدة التي اتحدت بزواجهما.
يقول المؤرخ ريتشارد فليتشر في كتابه "مسلمي أسبانيا"، الذي ربما مازال من أكثر الكتب وصولا إلى التاريخ العام للأندلس بالنسبة للقارئ العادي، "الحقيقة الواضحة أن ما بين عام 712 ميلادية و1492 عاشت المجتمعات الإسلامية والمسيحية جنبا إلى جنب في شبه الجزيرة الايبيريا، وان هذا التعايش استمر طويلا وبشكل حميمي". ربما تكون هذه الصورة هي التي أوحت لمؤلفي "فنون التعايش بألفة" هذا الاسم. فكان يوجد بين المسيحيين ومسلمي أسبانيا منطقة حدود مسامية، تمتد وترتبط بنشوب وخفوت الحرب والتسوية بينهم. والفتح الإسلامي غمر مجتمعات عريضة من المسيحيين الأهليين، الذين عرفوا باسم "المستعربين" أي المسيحيين المعربين ليعيشوا تحت الحكم الإسلامي. فكلا من المستعربين واليهود المعروفين بأهل الكتاب كما تقول النصوص الإسلامية، عاشوا في حماية كأقليات دينية في مقابل اعترافها بالسلطة الإسلامية ودفع ضريبة خاصة تسمى "الجزية".
عندما غزا الفونسو السادس وشعبه من القشتالين طليطلة عام 1085، حافظ على استمرارية الحكم الإسلامي بفاعلية، واعدا المسلمين الباقين بتوفير الحماية لهم، وحرية العبادة وأداء صلاة الجمعة في المسجد. وأثناء تقدم الجيوش المسيحية نحو الجنوب، وقع العديد والعديد من المسلمين تحت الحكم المسيحي، فأصبحت صورة طبق الأصل من المستعربين وعرفوا بعد ذلك بالمدجنين أي المسلمون الذين بقوا في الأندلس بعد نزوح العرب.
ما وجدناه إذن، أولا في أسبانيا المسلمة ثم في الأجزاء التي استرجعها الحكم المسيحي، كان التعايش، خاصة في المدن ذات التنوع العرقي والديني، مع درجة من الحماية القانونية امتدت حتى الأقليات. ومع ذلك، فان الموقف كان قابلا للتغير المفاجئ. ففي منتصف القرن الحادي عشر، على سبيل المثال، قامت جماعة الموحدين وهي طائفة إسلامية موطنها المغرب وامتد سلطانها إلى الأندلس، بإتباع سياسة الاضطهاد التي قادت العديد من غير المسلمين إلى اللجوء لمقاطعات المسيحية. وبعد مرور قرنين، تحديدا في عام 1391 كان اليهود هم ضحايا مذبحة رهيبة قام بها المسيحيون. لكن التعايش الذي كان موجود إلى حد كبير وتمليه الراحة أو الديموغرافيه أو خليط بينهما كان لفترة زمنية طويلة هو النظام اليومي المعتاد.
مصطلح التعايش convivencia تم استخدامه في التاريخ الأسباني منذ أوائل القرن الثاني عشر ليصف العلاقة المشتركة بين أصحاب ثلاث معتقدات مختلفة. ولكن في عصر جديد من التعددية الثقافية في وقت لاحق من القرن العشرين، لم يقتصر الأمر على أن مصطلح التعايش يتطلب حداثة مفاجئة، ولكنها توقفت لتكون محايدة وجاءت بدلا من ذلك لتقترح حالة من التعايش في وئام، ووضع حد للاستيلاء على غرناطة وطرد اليهود عام 1492. الأكثر من وجود أسبانيا العصور الوسطي كان وصفها على إنها مجتمع فريد متسامح، فهي كمنارة أمل لعالم يتحول بشكل درامي بالاختلاط بين الشعوب وصدام الحضارات.
الفكرة الرئيسية لبحث ماريا روزا منوكال "زخرفة العالم" كانت حول عالم ما أطلقت عليه "ثقافة التسامح"، التي ولدت بتعايش وتفاعل المسيحيين واليهود والمسلمين في بعض المدن مثل قرطبة وطليطلة.وبالمقارنة بكتاب "فنون التعايش بألفة" لن نجد أي استخدام للتعبير "ثقافة التسامح"، فلقد تمحورت فكرة الكتاب حول اندماج هوية الثقافة القشتالية المميزة من خلال "المساحة المشتركة" بين الإسلام واليهودية.
بمعنى آخر، هذه دراسة عن "التفاعل الثقافي" بدلا من "ثقافة التسامح". هنا التراجع لخلفية أكثر حيادية يبدو مفيدا. فهناك إفراط عاطفي نحو فكرة التعايش الأسباني في العصور الوسطي، والتسامح نفسه مفهوم غامض، خاصة الذي ظهر خلال القرون الوسطي ووجد فكرة حقوق الإنسان الفردية غريبة تماما.
عمليا، أن التعايش كان عاطفي وهش. والجدير بالذكر انه كان يفتقر إلى المساواة الدينية. فالمسلمون والمسيحيون يعتبروا على حد السواء أنفسهم أصحاب المعتقد الصحيح، وعندما يتمتعوا بالهيمنة فهم فقط يتقبلوا صاحب المعتقد الآخر في صبر إكراهي، رغم أن هذا الصبر لم يحول ضد اتحاد الممالك المسلمة مع الممالك المسيحية ضد إخوانهم المسلمين، أو اتحاد المسيحيون مع المسلمين ضد إخوانهم من نفس الديانة. ولكن أيا كان الذي يحكم سواء مسلمين أو مسيحيين أو يهود فقد كانوا طوال الوقت مجتمعين في المدن والبلدات، يتمازجوا باستمرار أعمالهم اليومي ولكن في بعض المدن كانوا يعيشوا في أحياء معزولة. من الأمور الحتمية المترتبة علي اختلاطهم بهذا الشكل هي التقطهم بعض من عادات وتقاليد وأذواق جيرانهم. حيث كان يمكن للمسلمين أن يدخلوا الأديرة المسيحية من اجل كأس من الخمر المحرم.
بجانب هذا التفاعل الشعبي جاء التفاعل المشترك بين النخبة الثقافية، بالرغم من أن الصدارة الثقافية ظلت لقرون مع مسلمي أسبانيا. ناشئي الحضارة الإسلامية انتشروا عبر الشرق الأوسط، وقد جلب الأمويين معهم من سوريا تقليد راسخ في الرعاية الثقافية وأهمية فنون الكياسة، واحترام عميق تجاه العلوم وتعلم كل ما يتعلق بالعصور القديمة. المسيحيون الذين كانوا على اتصال بهم بمقارنتهم سيبدون اقل من البربرين الخام.
ولكن كما يوضح "فنون التعايش بألفة"، بعض من هؤلاء المسيحيين اثبتوا إنهم مهرة في التعلم. ألفونسو السادس وخلفاؤه لم يأخذوا فقط مكان الخلفاء ولكن أيضا تقاليدهم في الرعاية الثقافية. تحت الحكم المسيحي تحديدا في القرن الثاني عشر اصبحت طليطلة المدينة المتنوعة عرقيا ودينيا مركز كبير للترجمة من النسخ اللاتينية المعدلة إلى اليونانية والنصوص العربية العملية ونصوص علم الرياضيات والفلسفة الذين تم نشرهم في كل أوروبا. تلك التعددية الثقافية التي ميزت طليطلة ستنتقل إلى الجنوب على اثر الاستعادة المسيحية لأسبانيا.
عندما توفي فرديناند الثالث، فاتح اشبيلية، بنى ابنه ألفونسو العاشر "الملقب بالحكيم أو المثقف" لأبيه مقبرة في مسجد اشبيلية الذي تحول الآن إلى كاتدرائية، ونقش فوق شاهد القبر اسمه تكريما له باللاتينية والعربية والعبرية القشتالية.
مؤلفو "فنون التعايش بألفة" أكدوا على الإدراج المكتوب بالقشتالية لان اهتمامهم ينصب على تتبع التزييف التدريجي للهوية القشتالية المميزة والثقافة بالتفاعل بين الثقافات والناس في العصور الوسطي. وقد أثبتت قشتالة مبكرا إنها مميزة بين مقاطعات أوروبا الغربية باحتضانها لكل ما هو عامي، ففي قشتالة القديمة في عام 1230 بدل القشتالين اللاتينية كلغة للوصيات ولكل المستندات المتعلقة بالممتلكات. سحر وجمال أسبانيا الإسلامية جعل من السهل الاستخفاف بتشكيل الثقافة القشتالية التي شكلتها الأقاليم الشمالية لشبه الجزيرة الايبيرية، التي تمتلك روابط دينية وثقافية قوية مع فرنسا. ولكن هذه الثقافة كما ذكرها هذا الكتاب الذي نحن بصدده بوضوح تأثرت بشكل كبير بتجربة التعايش ومواجهة الإسلام المتزامنة. وقد أشار المؤلفون إلى التعابير الملتبسة لعلاقة غامضة دائمة منعكسة في ملحمة شعبية عظيمة بقشتالة في القرون الوسطي تم تصويرها في أغنية الشاعر الملحمي "السيد"* (استراحة السيد). تحكي القصيدة عن مأثرة محارب جاء ليرمز إلى الكفاح الانتصاري للمسيحيين الأسبان ضد المسلمين البربر، رغم انه، من المرجح، كان مرتبط بمقاتلة الأتباع المسيحيين.
لذلك فان التفاعل الثقافي ليس بالضرورة أن يكون متوقفا على ثقافة التسامح. ابتداء من القرن الحادي عشر حتى بعد ذلك كان يوجد موقف متصلب من الطرفين منقسم بين التصريحات الباباوية بشأن الحملات الصليبية وجهاد الموحدين. ولكن بالرغم من هذه المواقف المتصلبة وانتصار المسيحيين العظيم على المسلمين البربر في لاس نافاس دي تولوزا في معركة العقاب عام 1212، إلا أن الحياة الاجتماعية والثقافية في قشتالة استمرت عاكسة تأثير المسلمين القوي. السكان المدجنون الذين خضعوا للحكم المسيحي في صحوة الاسترداد كلفوا عمالهم الحرفيين ببناء كنائس مسيحية تضجر بصمة المسلمين البربرين الواضحة. في القرن الخامس عشر كانت الأذواق والعادات البربرية تتخلل الحياة الملكية وعندما قبل فردناند وايزابيلا استسلام غرناطة كانوا مرتدين الملابس البربرية.
بالإضافة إلى ذلك كانت الهوة واسعة بين التدريب والممارسة. فأسبانيا الرسمية في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر اصبحت مشهورة بتعصبها الديني، تأسيس محاكم التفتيش، ترحيل اليهود منها، وفرض المسيحية على المدجنون ويطلق عليهم الآن "موريسكيون" وهم المسلمين الذي بقوا في الأندلس بعد استرداد غرناطة. ولكن بملام فرناند وايزابيلا على سياستهم المتعصب فإننا ننسى ببساطة تصرف انجلترا وفرنسا في العصور الوسطي عندما طردوا يهودهم منذ فترة طويلة. هناك تفسير واحد لهوس الانهماك في نقاء العرق الديني والتوحيد الواضح بجلي في أسبانيا أثناء عهد فرناند وايزابيلا يمكننا إيجاده في تصورهم عن دولتهم في عصر النهضة الأوروبية على أساس إنها ارض "سيئة الأعراق" وتشوه عقيدتهم. فلديهم حافز قوي لمقاومة إرادة الأسطورة السوداء** الأولية لإطلاق كل نزاع ضد أسبانيا يمكن تصوره، متضمنا التعايش الذي استمر طويلا بين المسيحيين والمسلمين واليهود الذي جعل دولتهم شاذة في العصر المسيحي المبكر.
حكم خلفاء الأسبان "الهابسبورج"*** أصبح مثال للتعصب. الإصرار على اقتلاع كل ذرة هرطقة والحاجة إلى الدم النقي لشغل المناصب، حتى إذا لم تكن شاملة ومؤثرة كما يدعى أحيانا، يعد كل هذا مؤشرات واضحة لنيل المناصب العليا الحكومية
في الكنيسة والدولة. ومن الطبيعي أن نستنتج من التصريحات والسياسات الرسمية، خاصة بعد بلوغ ذروة التعصب بطرد الموريسكيون منذ 400 عام الآن، أن التعصب قد تغلغل في نسيج المجتمع الأسباني بأجمعه.
هذا واحد من افتراضات ستيوارت شوارتز، أستاذ التاريخ بجامعة يال الأمريكية والمعروف من خلال كتبه عن مستعمرة البرازيل، والذي يتحدى بكتابه "الجميع يمكنه الخلاص" عن التسامح الديني والخلاص في شبه الجزيرة الايبيرية. مدى طموحه وكثرة وثائقه واتساع نطاقه الجغرافي كل هذا جعل من كتابه جهد ملحوظ. اعتمادا على مئات القضايا من تحقيقات محاكم التفتيش الأسبانية والبرتغالية، خطط ليثبت ويتحدى أن هناك وجود لدرجة من التسامح الديني على المستوى الشعبي، ليس فقط داخل أسبانيا والبرتغال إنما أيضا في مقاطعتهم الأمريكية، وهذا كان يتعارض تماما مع الأيديولوجية الرسمية للكنيسة والدولة. وقد وجد هذا الدليل على ذلك في البيانات التي أدلى بها من تم استدعاؤهم إلى المحكمة قبل المحاكمة بتهمة الهرطقة والانحراف، تحت تأثير أن "كل مرؤ يمكنه الخلاص عن طريق معتقده الخاص".
القضايا التي أوردها في كتابه تجعل القراءة ممتعة. ففي عام 1488، أعلنت امرأة قروية من بلدة اراندا تدعى جوانا بيريز أن "اليهودي الصالح سينقذه الله وكذلك المسلم الصالح، كلا في عقيدته، والا لماذا خلقهم الله هكذا؟". وفي عام 1594 جادل عامل أسباني يدعى جوان فرنانديز احضروه قبل المحاكمة في ليما وقال "كل شخص صالح يمكنه خلاص نفسه وفقا لقانونه الخاص". هذا والعديد من القضايا الأخرى تجعل على الأقل فرضية شوارتز للوهلة الأولى قضية على المستوى الشعبي، بان العالم الايبيري كان اقل تشددا في مسيحيته وأكثر انفتاحا ليتقبل الطرق البديلة للخلاص أكثر مما يظهر للعيان أو ما يعتقده المؤرخين.
كان شوارتز نفسه هو أول من أدرك المشاكل المتلازمة في فرضيته. فتدوين الاستجوابات معروفا انه صعب ترجمته مما يعطي فرصة للتلاعب وسوء الفهم لبعض المحققين. حتى إذا كانت استجوابات المساجين والشهود بالطبع مسجلة بالتدوين، هل هم مقصورين على قليل من الأفراد الكارهون لسبب أو آخر قبول سير العمل الرسمي؟ أو هم يمثلوا آراء قطاع عريض من المجمتع ككل؟ وفي الحالة الأخيرة، فان الصورة المحافظة لأسبانيا في بداية عهدها كمجتمع متعصب على نحو استثنائي سيظهر بها خلل جدي.
إذا لم تكن قضايا شوارتز التاريخية تشير تحديدا إلى ثقافة التسامح، فيبدوا إنهم يشيروا بالتأكيد إلى ثقافة فرعية للمعارضة. إلى كل من يتحدث من عقله، لابد أن هناك كان العديد من الحريصين على التزام الصمت. فليس من الحكمة أن نثير الانتباه تجاه محاكم التفتيش. لذلك "فالتسامح" يمكنه التحرك على امتداد طيف يمتد من اللامبالاة، من خلال مبدأ العيش وترك الآخرين يعيشوا، فاعتقاد راسخ بحزم أن لا الكاثوليك أو البروتستانت أو المسلمين أو اليهود محتكرين الحقيقة، وبناءا على ذلك "فان كل شخص يمكنه الخلاص من خلال قانونه الخاص".إلى هذا المدى بينما كل هذه المواقف قد وجدت في عصر أسبانيا المبكر فمن الطبيعي أن نتساءل عم ما إذا كانت تجربة التعايش في القرون الوسطي بين الثلاث معتقدات قد خلقت استعدادا استثنائي في العالم الايبيري نحو قابلية الآخر.
الاكتشاف والاستعمار الايبيري لأمريكا قد عمل لتعزيز هذه القابلية، وجد الأسبان أنفسهم هناك يتعاملون يوميا ليس فقط مع عدد هائل من السكان الأصليين الذين لم يسمعوا مطلقا عن المسيحية قبل مجيئهم، إنما أيضا في نفس الوقت مع العبيد الأفريقيين وأنظمة معتقداتهم الخاصة وعدد متزايد من الناس من العقائد المختلفة. كتب ريتشارد فليتشر، الأستاذ الراحل في جامعة يورك والمتخصص في تاريخ العصور الوسطي، في كتابه "مسلمي أسبانيا" أن "مستعمرات المكسيك وبيرو والبرازيل كانت بوضوح هي أندلس العصور الوسطي". هذه التأكيدات المدرجة مازالت في حاجة إلى المزيد من العمل، ولكن دليل شوارتز الأمريكي قاد فليتشر إلى التسليم بأن الوجود في العالم الايبيري الجديد "ثقافة نابضة بالحياة على خلاف السائد في الكنيسة والدولة".
أي افتراض، مع ذلك، بان التجربة الاندلسية ربما تكون قد تركت الحضارة الايبيرية مؤهلة بشكل فريد لتقبل إمكانية وجود خيارات غير النظام التقليدي الأرثوذكسي السائد، قام شوارتز بهدمه بحجته الواسعة النطاق التي تقول أن النسبية الدينية لم تكن "ظاهرة هسبانية**** مميزة تم ترسيخها خلال التعايش في العصور الوسطي واستمرت حتى الازدهار". على العكس تماما، على الرغم من أن دليله قد استمد غالبا من العالم الايبيري، وهو حريص على أن "مبدأ التسامح الشعبي فيما يتعلق بالدين كان ظاهرة عامة في الكثير من أنحاء أوروبا وان الشكوك والتسامح الشعبي خلقوا تربة من المفاهيم الحديثة لحرية الضمير والتسامح الذين نموا في نهاية المطاف". في قول آخر، لقد أراد أن ينقذ تاريخ التسامح من الأيد المانعة من النخبة السياسية والفكرية وإعطاء الناس العاديين مكانهم المستحق في القصة.
لإثبات الحقيقة في ادعائه الطموح ذلك سيتطلب أدلة على نطاق أوسع بكثير، من المجتمعات الأوروبية المتنوعة بدلا من العالم الايبيري فحسب، ولكن في إثارة مسألة المواقف الشعبية وتوثيقها بشكل غني كتب شوارتز كتاب اكتشافي. حاليا، بقدر ما تهتم أسبانيا نفسها فان حجته عن التسامح الشعبي قد تلقت تعزيزات مساعدة من دراسة بحثية مثيرة للإعجاب عن مدينة لامنتشا الأسبانية التي خرج سكانها لدعم محاولات موريسكيون بلدتهم لتحدى مرسوم بطردهم عام 1609، ومن ثم الترحيب بالذين نجحوا في العودة خلسة. ليس هذا رد فعل مجتمع واقع في قبضة التعصب الديني والعرقي.
وفوق ذلك هناك شك أن شوارتز لم يتجنب الأمر تمام، فقدم قصته على إنها خطوة للامام نحو "الحداثة" التي تشير إلى حرية الضمير والتسامح الديني. الآن على الأحداث أن تعطي لنا الفرصة لنتوقف.نحن نرى كيف أن في البلقان مثل أسبانيا العصور الوسطي حيث كان يعيش ناس من عقائد وأعراق وثقافات مختلفة وكانوا قادرين على التعايش لمدة طويلة في وئام نسبي، ثم
حدث بشكل مفاجئ أن كل هذا تحول إلى فورة من الغضب والدمار. في السعي لتعقب تاريخ ثقافة التسامح، فمن المهم ألا ننسى أن في اغلب الأحيان تكمن ثقافة التعصب تحت السطح مباشرة.
يوضح تاريخ أسبانيا في العصور الوسطي أن التعايش بين أناسا ذوي أعراق ومعتقدات مختلفة من المحتمل أن تكون مصدر لإثراء ثقافي عظيم، ولكن في الوقت نفسه من الممكن أن يكون مصدرا لتوتر اجتماعي عميق. التعايش الانسجامي متوقف على الحفاظ على توازن دقيق، دائما عرضه لخطر الضيق والانزعاج من قبل الاتحاد المؤسف للسلوك والأحداث. التبديل في السياسة والممارسة الرسمية، التدهور الاقتصادي، التصريحات الملتهبة الشعبية من شخص يمكنه تحريك الجماهير، صراع مبتذل أولي بين الجيران، كل هذا في وسعه أن يحول التسامح إلى تحدي عنيف بين عشية وضحاها. حتى الآن تتضمن قصة القرية الصغيرة لامنتاش في القرن السابع عشر درس في ذاتها. حتى في أسوأ الأوقات تستطيع الإنسانية وآداب السلوك أن تجعل صوتها مسموعا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * هو شخصية تاريخية أسبانية من القرون الوسطي كثرت حول شخصيته القصص و الحكايات، اسمه بالكامل رودريغو دياث دي
 بيفار، ولد حوالي العام 1040 و كان فارسا من فرسان قشتالة في زمن حروب الاسترداد و هو معروف باسم آل سيد كامبيادور
** الأسطورة السوداء *** أسرة هابسبورغ ، من أهم الأسر الأوروبية الحاكمة . عرفت هذه الأسرة برجعيتها الشديدة و بتأييدها المطلق للكاثوليكية .
**** هسبانيا: اسم أطلقه الرومان على شبه جزيرة ايبيريا

Volume 56, Number 13 · August 13, 2009

A Question of Coexistence

"كيفية التعايش"

By J.H. Elliott

The Arts of Intimacy: Christians, Jews, and Muslims in the Making of Castilian Culture
""فنون التعايش: المسيحيين واليهود والمسلمين وصنع الثقافة القشتالية
by Jerrilynn D. Dodds
María Rosa Menocal, and Abigail Krasner Balbale. Yale University Press, 395 pp., $40.00
All Can Be Saved: Religious Tolerance and Salvation in the Iberian Atlantic World
"الجميع يمكنه الخلاص: التسامح الديني والخلاص في عالم ايبيريا الاطلسي"
by Stuart B. Schwartz
Yale University Press, 336 pp., $40.00

ترجمة: أميمة صبحي
نُشر في مجلة وجهات نظر - 2009

Monday, September 7, 2009

هل المسلم هو الله على الارض؟

انتقال جمعية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية الى السودان يتزامن مع حب المصريين لشيوخ السلف الصالح امثال محمد حسين يعقوب والحويني وما شابه وانتشار النقاب في توازي مع انتشار التحرش وتشيئ المرأة والنظرة الدونية لها
يقلقني
!!!!

يعتبر المسلم نفسه الوحيد صاحب الحق في هداية الناس وارشادهم الى جادة الصواب كما انه في امكانه ان يقودهم كقطيع ماعز امامه فقط لانه مسلم

عزيزي المسلم، اود ان اقول لك
اتنيل

نعم، اتنيل

ما اقرأه من تعليقات حول كل هذه الاشكاليات السابق ذكرها في بداية حديثي يجعلني اندهش حقا من ذلك المخلوق الذي يعتبر نفسه الله على الارض، فهو يعرف من سيدخل الجنة ومن سيدخل النار
يعرف ما القواعد التي لابد من اتباعها
المسلم خبير في علاقة المرء بربه ويجيد اختبارها والحكم عليها
المسلم يتعد على الخصوصيات ويطلق للسانه العنان احتجاجا على حياة شخصية لشخص ما

المسلم يمسك عصا بيده و يدور في الشوراع يضرب هذه وتلك وذاك ليؤدبه ويعلمه معنى احترام النفس والآخرين
نموذج اسمع عنه في السعودية ولا اريد ان اراه
ونموذج اخر متوافر الآن في الاسواق، يقتاد النساء الى اقسام الشرطة كالمجرمات ويجلدهن 40 جلدة بحجة خدش الحياء العام
والجديد انه يعتقل الفتيات لمشاهدتهم مقطع فيديو على هواتفهم النقالة الشخصية
http://http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=134126


ولكن اين هذا الحياء؟؟
مسلم يدعي انه الله على الارض ويفعل ما لم يفعله رسوله ويطالبنا بالحياء

كان هذا اول نوع من المسلمين في الارض

يعتبر النوع الثاني هو الاغلبية الساحقة
انه النوع التابع، الضرير، الذي يسير ضمن القطيع

هذا المسلم مختلف عن ما سبقه، فانه مسلم يؤله النوع الاول ويثق في ارشاداته بشكل اعمى
مسلم مغيب تماما يجلس امام شاشة التلفاز فاغرا فمه مستمع في خشوع الى قرآنهم

انهم علّامة
انهم فقط من يفقهون
اصحاب الانفاس المباركة التي تبارك العقول

هذا المسلم خاضع
لا يحرك ساكنا ولا يحتج ولا ينبس ببنت شفة

يمكنك ان تنعته بالجبن
نعم جبان

هالني ما قد عرفت، ان المادة 152 مطبقة منذ عام 1991 وتم جلد المئات من السيدات والفتيات
وكانت لبنى اول السودانيات المعترضات

مئات الاسر تعيش تحت وطأة الخوف من ما يسمى بالعار
عار جلد ابنتهم بتهمة خدش الحياء العام وعدم تطبيق الشريعة الاسلامية

اي عار هذا الذي يتحدثون عنه؟؟؟؟؟؟
واي حياء؟؟

وهل يوجد عار اكثر من الصمت على هذه الاهانة والمذلة؟؟
وهل يوجد حياء بعد الاستسلام للظلم
واي شريعة هذه التي تهين وتذل هكذا
!!!!

هذا المسلم مهان مذلول ويمشي ورأسه في الارض، في الوحل
معتقد انه بهذا السلوك قريب من الله ومن العمل الصالح

مسلم ينتظر مع القطيع قائد جديد
قائد ليحركه وينعشه

لو لم ترتدي لبنى ذلك البنطلون في شهر يوليو الماضي، لكانت السودانيات الآن ماازلن في صمت

لبنى هي القائد الجديد ولو تم اخماد صوتها سيمشي القطيع مرة اخرى وراء جمعية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وشيوخ السلف الصالح وتشيئ المرأة

Sunday, August 16, 2009

العمارة الاسلامية والنقاب











للمرأة دائما مكان في الاسلام حتى في تصميم البيوت الاسلامية التقليدية، حيث انها كانت تتميز بالخصوصية الشديدة، فالبيوت العربية التقليدية هي البيوت القديمة التي سكنها العرب حتى بداية القرن العشرين، والتخطيط العام يجعل التوجه نحو الداخل فلا يطل البيت على الجيران ولا يطل الجيران عليه.
فللبيت صحن أو أكثر تتوجه نحوه الفتحات والشبابيك ومعظم الأبواب وتقام معظم نشاطات أهل البيت فيه أو حوله، والصحن في البيت العربي هو قلب البيت ومحوره. بأبسط أشكاله يكون مربع أو مستطيل الشكل يحيط به رواق ويتوسطه حوض ماء أو نافورة وربما قمرية
فهو ساحة مفتوحة في وسط المبنى، ويكاد يكون العنصر المعماري المشترك في كافة الدول العربية من الشرق إلى الغرب والأندلس وفي الريف والمدن، لا يستثنى من ذلك حتى البدو بالرغم من إختلاف التفاصيل. بل أن تخطيط المدن الإسلامية إعتمد على نفس الفكرة حيث أن المناطق السكنية (وكانت تسمى خططا) كانت تبنى من الأطراف أولا ويترك الوسط فضاءاً، إلا أنه كان يسمى ساحة.
ويستخدم كحديقة داخلية خاصة للعائلة وكساحة خدمة محجوبة عن أعين الجيران بواسطة الغرف المحيطة بهومن العوامل المؤثرة في فن العمارة الاسلامية العامل الاجتماعي: فكان لغيرة المسلمين -النابعة من تعاليم الإسلام- على حرماتهم ونسائهم، أثرها في تصميم واجهات المنازل، حيث كانت نوافذ البيوت قليلة وعالية؛ لتكون بعيدة عن أعين المارة، وابتكرت المشربيات، وكان يُصمم انكسار في مدخل البيت لينحني الداخل، ثم يتجه نحو ممر آخر، ومنه يدخل إلى فناء المنزل، وذلك حتى لا يرى الداخل من يجلس في حوش المنزل.
اذن، فالمرأة كانت تمارس حياتها بحرية داخل البيت فتسمح للشمس والهواء بالتغلغل داخل مسام شعرها وجسدها بعيدا عن عيون الاجانب عنها، فعندما تلتزم بالنقاب ، في حال اذا ما افترضنا ان النقاب من الشريعة الاسلامية كما يقول عدة شيوخ، فان التزامها به لن يسمح باختلال ميزان حريتها في شئ.
تهب علينا كل يوم رياح مليئة بالاتربة والفتاوي العجيبة كفتوى الشيخ محمد الهبدان الذي افتى بالنقاب ذو الفتحة الواحدة التي تسمح للعين اليسرى برؤية الطريق، ولا اعرف لماذا العين اليسرى، ربما هي اقل اثارة من العين اليمنى للمرأة والله والشيوخ اعلم
ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله الصحيح الذي تدل عليه الأدلة : أن وجه المرأة من العورة التي يجب سترها ، بل هو أشد المواضع الفاتنة في جسمها ؛ لأن الأبصار أكثر ما توجه إلى الوجه ، فالوجه أعظم عورة في المرأة ، مع ورود الأدلة الشرعية على وجوب ستر الوجه . من ذلك : قوله تعالى : { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن } [النور:31] ، فضرب الخمار على الجيوب يلزم منه تغطية الوجه .ولما سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله تعالى : { يدنين عليهن من جلابيبهن } [الأحزاب:59] ، غطى وجهه وأبدى عيناً واحدةً ، فهذا يدل على أن المراد بالآية : تغطية الوجه ، وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لهذه الآية كما رواه عنه عَبيدة السلماني لما سأله عنه . ومن السنة أحاديث كثيرة ، منها : أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى المحرمة أن تنتقب وأن تلبس البرقع " ، فدل على أنها قبل الإحرام كانت تغطي وجهها . وأيده في هذه الفتوى عدة شيوخ اجلاء علماء، مما يدعونا للتفكير في اهمية تحديث الخطاب الديني على اساس التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تصاحب العالم الاسلامي الآن
ما هو الخطاب الديني؟أوضح د. القرضاوي أن المراد بكلمة الخطاب الديني هو كل بيان باسم الإسلام يوجه للناس سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين لتعريفهم بالإسلام، وقد يأخذ هذا الخطاب شكل الخطبة والمحاضرة والرسالة والمقال والكتاب والمسرحية والأعمال الدرامية، وبذلك ينبغي ألا نحصر الخطاب الديني في خطبة الجمعة فقطولا بد أن يُبنى هذا الخطاب على فهم دقيق لطريق المخاطبين وعقلياتهم وبيئاتهم، وقد قال علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-: "حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما لا يعرفون"
وقد زاد الحديث في الآونة الاخيرة حول اشكالية الخطاب الديني وكيفية تجديده، فالعالم الاسلامي الآن اصبح مختلف تماما عن العالم الاسلامي القديم، وقد اخترت هنا مثال لهذا التغيير الذي يتمثل في العمارة الاسلامية القديمة والمرأة التي تشغل بال الكثير من الشيوخ والعلماء الاسلاميين او المتأسلمين الذين يطلون علينا من آن لآخر بفتوى تخصهن وتتضيق الدائرة عليهن
انتشر النقاب في المجتمع المصري بشكل رهيب في السنوات الاخيرة بنفس سرعة انتشار الفتاوى لاصحابها الذي قال عنهم الكاتب الساخر احمد رجب في عموده اليومي بجريدة الاخبار انهم مرضى نفسيين لديهم عقد جنسية من صغرهم وعليهم ان يعالجوا قبل ان يفتوا حول وضع المرأة
ما يهمني هنا من كل ما سبق، هو التغيير الواضح في شكل العمارة في كافة الدول العربية التي اصبحت لا تتناسب مع الكثير مما يدور في خلد علماؤنا الاجلاء، اتساءل بشدة، هل رأى هؤلاء منطقة سكنية كمنطقة امبابة الموجودة في مصر؟ على سبيل المثال وليس الحصر طبعا، هل رأى الحواري والازقة المنتشرة بشدة داخل احياء القاهرة القديمة الفقيرة التي لا تسمح لقاطنيها بأي شكل من اشكال الخصوصية؟، هل من أحد يقول لي كيف لمرأة منقبة او ترتدي الخمار والعباءة الطويلة والقفاز ومن سكان هذه الاحياء ان تلتزم بهذا الزي طوال اليوم بينما هي تحتاج ان تفتح نافذة بيتها لتسمح بدخول بعض الهواء وبعض اشعة الشمس ان استطاعت ان تصل لنافذتها من تكدس المباني وجيرانها يستطيعون رؤية كل شقتها من خلال النافذة الصغيرة المفتوحة؟
ولا يمكنها معالجة الامر الا اذا وضعت ستارة سميكة امام النافذة مما لا يسمح لأي بارقة امل لدخول البيت، اشعر بهم جالسون فوق قلبي رغم اني لست ملتزمة بتطبيق فتاواهم العديدة في حياتي، فما بالك بالسيدات اللاتي ليس لهن اي خلفية معرفية حول الاسلام الا من خلالهم فيطبقون تعاليمهم في حياتهم رغم أنهن وبنسبة كبيرة لا يستطيعن المحافظة على هذه التعاليم الصارمة بسبب ظروفهن الاجتماعية التي تغيرت كثيرا عن ظروف أسلافهن السيدات اللاتي كن يتمتعن بحياتهن بحرية داخل جدارن بيوتهن التي وفرها الاسلام لهن.
21/3/2009