Showing posts with label جيمس جويس. Show all posts
Showing posts with label جيمس جويس. Show all posts

Friday, March 22, 2013

دعوا جويس وشأنه!

جولة قصيرة في مقاطعة ترييستي بشمال شرق ايطاليا ستأخذك الى المقهى الذي احبه والى المطعم حيث تناول طعامه والشاطئ حيث ذهب للسباحة مع ابنه. لن ترى في تلك الجولة الوحدات السكنية التي أُلقى منها جويس خارجا عندما كان عاجزا عن دفع الايجار او حيث بدأت نورا، المرأة التي عاش معها خارج نطاق الزواج، تتعرف على اعراض الحمل. تبدو لك اثار جويس من جانب درج بمحطة 
القطار على لوحة معدنية تذكارية، نعرف من خلالها ان هذا الرجل العظيم تعود ان يغدو ويروح فوق هذه الدرجات منذ سنوات عدة.

تلك اللوحة التذكارية المنقوشة على رصيف رقم 1 بمحطة قطار ليوبليانا بسلوفينيا
هي تحتفي بذكرى 19 أكتوبر 1904عندما نزل جويس وزوجته من على متن القطار بالخطأ في تلك المدينة
وقد كانا في طريقهم لترييستي. وأمضا جويس ونورا لليلتهما في محطة القطار. قام بنحتها جاكوف برادر وأعلن عنها في
عام 2003، محفور عليها نبذة قصيرة  عن ذلك الحدث.


كثيرة هي المدن التي تطالب بحقها في جويس: دوبلن، بكل تأكيد، باحتفالها الأبدي به في يوم Bloomsday. ومدينة زيورخ السويسرية حيث مكث بها مع أسرته هروبا من الحرب وقد وافته المنية هناك. وباريس حيث قابل ناشرته سيلفيا بيتش وقابل المعجبين في المطعم المحلي. فهناك العديد من اللوحات التذكارية فيما يقرب من نصف المدن الاوروبية، شوارع وساحات عامة وجادات في كل انحاء اوروبا تحمل اسمه، وتماثيل تحمل ملامحه. حتى المدن تتبادل ما يدور حوله، مثل الحانة الدوبلنية التي تعود للقرن الثامن عشر تم بيعها ونقلها الى زيروخ لان الديكور تم الاشارة اليه في رواية عوليس. حتى ان جويس لم يكن في حاجة لابداء اعجابه بمدينة بعينها لتتدعي امتلاكه. فمروره بها سريعا او ربما الاشارة إليها في إحدى اعماله كانت كافية لادعاء مدينة ما انه ينتمي اليها.
ليست المدن فقط التي تتنازع على تركته. فبعد وفاته بسبعة عشر عاما، مازال الناس يفعلون. فجويس مازال المحرك الرئيسي للدعاوى القضائية وجهد الباحثين للتوصل لسلوكه المحلي، وتحاول اسرته الحد من ذلك بكل الطرق الانسانية والقانونية.
في هذا النطاق، قمنا بتحويل جويس إلى شيطان. حدث ان اهتما نورا وجويس بحفيدهما ستيفان جويس حفيده ونورا لفترة لتدهور صحة والدته النفسية. وقد أبدى الباحثون والكُتاب سعادتهم لاستطاعتهم الخوض في اسرار تلك العائلة، التي تتضمن تدهور صحة والدة ستيفن النفسية، كما تتضمن اصابة ابنة جويس، لوسيا، بمرض عقلي. وتم الاشارة أيضا لرسائل حب فاضحة تم تبادلت بين الجدين. فجن جنون جويس وقرر عقاب الجميع. فتوقف تماما عن العمل، وأصبح يقاضيهم بشراسة ويرفع الدعاوى القضائية ضد أي قراءات صغيرة من عوليس لانتهاكها حقوق الملكية الفكرية ورفض منح اذنه لأي شخص بطبع كتابه الخاص طالما يتضمن اقتباس من عمل من اعماله.
وترتب على هذا ان العلاقة بين الوصي على الممتلكات والباحثون أصبحت شديدة الخصومة. فكل جانب كان يبالغ في ردة فعله. ستيفن جويس كان يقاضي اي شخص ينظر لاعمال جده بشكل هزلي، كما صرح الكُتاب والباحثون في المطبوعات مطلقون على الوريث لقب المجنون والأحمق. وحين دخل الجزء الاكبر من املاك جويس تحت الملكية العامة للاتحاد الاوربي، قامت دار نشرايرلندية صغيرة تسمي Ithys Press بتحدي الوصي واختيار عمل من اعمال جويس وفقا لذوقها الخاص. لم يكن هناك قرار صدر بعد بصدد اذا كانت اعمال جويس الغير منشورة قد دخلت في نطاق الملكية العامة بجانب الكتابين "بورتريه لفنان في شبابه، وأهل دوبلن"، فاختارت دار النشر الايرلندية انشودة قصيرة للاطفال "هرر كوبنهاجن" وقدمتها للطباعة. في الحقيقة هذه القصة كتبت في الاساس من اجل ستيفين في خطاب معنون له وقد صدر بيان من ستيفان جويس يعبر فيه عن استيائه.


بينما اقرأ سيرة جيمس جويس الذاتية بقلم الكاتب البريطاني جوردن بوكر، اتساءل عن ماذا جنينا من رفع الغطاء عن الحياة الخاصة لهذا الكاتب. فلقد قضى بوكر وقت طويل في جمع التفاصيل الشخصية التي في إمكانها ايصاله مباشرة لاعمال جويس الادبية. فالشخصيات التي خلقها جويس على الورق عادت الى حياتها الاصلية. في رأيي ان المرجع المهم لابد ان يقدم شروحات مقروءة وواضحة، فحتى الشخص الذي يشعر بالتيه في روايات مثل عوليس أو استيقاظ فينجانز يدرك تماما ان لا وجود للحشو في هذه الكتب. فالدقائق تمر بهيجة رائعة في هذه مثل الروايات. ونجد ان الكتب غالبا تبقى في الوجدان على اية حال، حتى اذا انحدرت وصولا الى الابيض والاسود، او تم تحويلها الى بازل لابد من حله او شفره لابد من فكها.
هناك ايضا الهراء المتعلق بدراسة الثقافة والحياة التي هرب منها جويس وكأنها هي التي انتجت رجل كهذا وسمحت بازدهار عمله. بوضوح لقد نظف بوكر ملابس جويس، وقام بتعليق ملابسه الداخلية امام الجميع حتى تجف. فلقد ركز على البقع في تلك الملابس، وجويس كان لديه العديد منها. فكان من الشخصيات التي لا يمكنك ان تطلق عليهم لطفاء. يمكن القول انه كان أحمق، ولكن من الصعوبة ان نرى أهمية ذلك في مشواره الأدبي.
كتب بوكر عامود الى جريدة دايلي بيست، يتذمر من محاولات جويس لايذاءه بجانب الكُتاب الآخرين. وصرح ان اعماله اصبحت أخيرا ضمن الملكية العامة قائلا: "لقد تم إزالة الألغام ولن يستطيع القانونيون المتربصون أو الأوصياء على إرثه الأدبي المفتعلون للمشاكل، ان يمنعونا من البحث والتحري".
ومازلت لا استطيع تخيل كيف كان على ستيفان ان يتعاون أيضا. حسنا، لذلك كان تدمير الخطابات والعناصر الخاصة الأخرى ردة فعل مبالغ فيها. لكن عندما زاد ضغط الباحثون وكتاب السير الذاتية على الأوصياء على الأملاك، خاصة هؤلاء من أفراد العائلة، ماذا كانوا يتوقعون؟. فقد يدعي كتاب السيرة النوايا الطبية والنبيلة، ولكن الكثير منهم يتعامل مع القيل والقال. فلقد شهد ستيفان بعضهم وهم يسخروا منه وينحدروا به الى منزلة شخصيات الكرتون المتحركة، من خلال الكتابة عن حالة خالته العقلية والتي عانت من فترات متكررة من الجنون وقضت الكثير من حياتها في مصحة، والتي تم تشخيصها على انها ليست انفصام في الشخصية ولكن إرهاف حسي فحسب بسبب تعلق والدها الجنسي بها، ذلك الجد الذي اُطلق عليه لقب كاذب ومخادع. وقد واجه والديه، كلاهما كشخصيات خاصة على حد السواء، فحص دقيق لم يكونا يستحقاه. والد ستيفان الذي هو ابن جويس اُطلق عليه متسكع تافه لانه ابدا لم يعمل في وظيفة ووالدته اُطلق عليها المجنونة. اعتقد اني لو كنت في مكان ستيفان، كنت سأبدأ في حرق المستندات، ايضا.
لقد غيرت رأيي فيما يخص ستيفان جويس. لقد اعتدت ان اطلق عليه "معتوه" منذ زمن ومعه كل من ينتمي لعائلة جويس. لقد انتقدت دمار الممتلكات الذي لحق بسنوات من الدراسة، ولكن بعد ذلك بدأت في قراءة هذه الدراسة. قرأت عن جنون لوسيا، وقرأت خطابات جويس القذرة لزوجته نورا. وقرأت عن حياتهم الجنسية. كما قرأت عن جنون والدة ستيفان وكسل ابيه. وقرأت كل انواع النقد حول لماذا رواية عوليس اقل خيالية وتحمل قابلية اكثر للشرح والتفسير اكثر من ما ربما كنت اريد تصديقه. وغيرت رأيي في ستيفان فلم اعد اراه بعد ذلك كرجل فاقد لعقله، بل أرى أبن وحفيد يحمي اسرته. ربما فعل ذلك مرغما، ولكنه كان رجل يحب عائلته.

لو كان في إستطاعتي لناشدت الأوصياء ان يكونوا أكثر حزما. أكثر إحباطا للمتطفلين ويكون سلوكهم تهديدي أكثر. فلندع الاوصياء يحفروا كل الخنادق التي تحمي تراثهم. فجويس نفسه حمى خصوصيته بشدة، كما اراد حماية خصوصية زوجته وأطفاله. أصبحت لا اشعر بثراء السيرة الذاتية التي كتبها بوكر. اعتقد ان العالم يمكنه ان يسير على ما يرام من دونها. لكن العالم بدون جيمس جويس.. صورته لا تهمني بشكل خاص.

كتبت جيسا كريسبين، محررة ومؤسسة Bookslut.com
عن سمارت ست
ترجمة: أميمة صبحي

Friday, December 28, 2012

دوبلن: مدينة بلا ثورة


في مثل هذه الايام منذ مائة عام وثمان سنوات واعد جيمس جويس نورا بارنسل، زوجته فيما بعد، للمشي سويا للمرة الاولى. كان هذا في 16 يوليو 1904 وهو نفس التاريخ الذي اختاره جويس لتدور فيه احداث رواية عوليس بمدينة دوبلن. وهو نفس اليوم الذي يحتفل به محبيه في دوبلن من كل عام بداية من عام 1954. الجوانب الغامضة في حياة جويس الخاصة انعشت السرد الخاص به. فاسطورته الخاصة كادت ان تندمج مع اساطير الاخرين فأضافت بعد وثقل للايام والاماكن التي بدت دوما مألوفة.
عملت نورا في فندق فين والطريق بينه وبين ميدان ميريون حيث خططا للقاؤهما اول مرة يمر بمنزل صامويل بكيت الذي ربما كان في ذلك الوقت يكتب روايته ميرفي. في هذا العام، 1904، خططا جويس، الذي بدأ في كتابة Dubliners ، ونورا لزيارة المنزل الذي سكن به سير ويليام وايلد حيث ترعرع الكاتب اوسكار وايلد وهو نفس المنزل الذي كان الكاتب الايرلندي برام ستوكر صاحب رواية دراكولا ضيفا دائم عليه. والجدير بالذكر ان زوجة الاخير كانت صديقة اوسكار وايلد السابقة وقد تنافسا على حبها لفترة طويلة من الزمن. وبذلك يكون الطريق الى مدينة دوبلن، مسرح كتابه Dubliners، مقدس بالنسبة لك اذا كنت تعرف هذه الاسماء وتقدرها اما اذا كنت في عجلة كما تتصرف شخصيات عوليس احيانا او كما يفعل الناس في هذه الايام فسيكون هذا الطريق اعتيادي كما شارع عادي في اي مدينة اخرى.
بقيت المدينة التي كتب عنها جويس كما هي لمدة طويلة ربما في حالة جمود اكثر مما ذهب خيال جويس يوما. يحكي الكاتب الايرلندي كولم توبين عن انتقاله لهذه المدينة التي اصبحت بشكل ما مرتع لعشاق جيمس جويس. يقول انه انتقل هناك في بداية السبعينيات، انها نفس المدينة التي كتب عنها جويس في بداية القرن ويحكي عن الشخصيات القاطنة بها: "سكن الغرفة المقابلة لي رجل يذهب الى عمله ويعود منه بشكل يومي منتظم، صادف ان رأيته مرات قليلة في الشارع وقد بدا لي رجل مألوف يرتدي بدلة كاملة. يبدو انه يعمل في مكتب، في الحقيقة كان رجل عادي جدا ولكنه لم يكن طبيعي..كما لو ان كهرباء حياته قد انقطعت ويعيش على ضوء الشموع. انه لم يجتاز ابدا باب حجرتي ليذهب الى الحمام في الفناء الخلفي للمبني. لا اعرف اين يقضي حاجته وقد استشعرت من خطواته البطيئة اثناء الليل حيث يسود الهدوء انه يقضي لياليه وحيدا يحتسي الشراب في مكان ما في هذه المدينة."
فكرة الشخصيات الرثة المنعزلة ذات الحياة الغامضة، الشخصيات الوحيدة التي تمتلأ حياتهم بالمشروبات الكحولية والمساجين وراء مكاتبهم والقاطنين في منازل مملة او حجرات ذات حوائط باردة، رجال متعلمون ولكن بلا مستقبل. تلك الشخصيات تصنع طريقها في قلب القصص القصيرة لكتاب Dubliners: Two Gallants – The Boarding Houses – A Little Cloud – Counterparts –A Painful Case and Grace.
بينما هو يرسم هذه الشخصيات ويقدم لهم قليل من الراحة ولحظات قصيرة من الاحتمالية، لم يكن جويس مهتما ببعض الجوانب الغامضة التي يعرف سرها عن هذه النوعية من الرجال واقدارهم في هذا العالم انما اهتم بالشخصية نفسها التي اطلق لها الاسم ورسم حياتها الخاصة والسرية. الاستغراق في الافكار العميقة والعزلة الواعية للافراد، والتي تجعلهم في حالة اختفاء دائم، نجح جويس في ان يقدمهم بطريقة درامية مسرحية.
لم يسمح جويس في كتابه ذلك ان تختلط قصص البالغين بحكايات الاطفال البريئة، فالقصص الاولية للاطفال والشباب تقدم الخوف من الاخطاء بالتأكيد اكثر من قصص البالغين. وبالطبع فان الراوي في قصص الاطفال يبدو انه يعرف كل الجوانب الغامضة اكثر من اي شخصية اخرى في الكتاب. ففي قصته An Encounter كان الراوي صبي بالمدرسة تعامل مع اضطراب النشاط الجنسي للرجل الذي يقابله بسهولة ويسر. (تلك القصة كما ذكر ستانسلوس جويس، والد جيمس، مبينة على وقائع حقيقية حدثت معه وهو صغير).  وفي Araby يحكي عن حب استحواذي من قبل شاب صغير تجاه فتاة مليئ بالمشاعر الجنسية. انها درامتيكية وملموسة اكثر من اي قصة اخرى في الكتاب.
في خطاب ارسله الى ناشره في عام 1907 تكلم جويس عن الطموح والتواضع الذي كان يداهمه وهو يكتب قصصه "كان قصدي ان اكتب فصل واحد عن التاريخ الروحي لمدينتي وقد اخترت دوبلن لانها تبدو مركز للركود والعجز. ولقد حاولت ان اقدمها على انها مدينة العوام الذين هم دائما على الحياد تحت اربع من جوانبها: الطفولة، البلوغ، النضج والحياة العامة. وقد رتبت القصص وفقا لهذا المنظور."
بدا جويس كتابة قصصه في دوبلن عام 1904 وكان يبلغ من العمر 22 عاما وانتهى منهم بقصة The Dead في عام 1907 في مدينة تريستي. وبعد عدة محاولات وصعوبات وحظ سيئ مع الناشرين، نشرت Dubliners في يونيه 1914.
ادعاء جويس بانه سيكتب فصل واحد عن مدينته هو امر مبالغ فيه حتى القصص نفسها تتفادى ان تكون مجرد وصف سهل. فالقصص تحتوي على قرية مليئة بالحالمين وراغبي التغيير رغم وجودهم بقفص. ففي Two Gallants  وEveline هناك دائما شخصيات غريبة ومتيقظة للهروب من قفص العائلة او العمل. في After the Race هناك هيستريا حمقاء في محاولة الشخصية دويل بان تظل على صلة باصدقائها المثقفين الاجانب. في العديد من القصص نجد الشخصيات في حالة ترقب ويقظة واضطراب. تبدو رغباتهم وقد فرضت عليهم وتجعلهم يتصرفوا بوحشية في مطارادتهم واندفاعهم وايماءاتهم الغير مطمئنة. لم يقم جويس بالحكم عليهم ولكن كان هناك دائما انذار دائم لنقاط ضعفهم وفشلهم كما انه كان شغوفا بان يصنع منهم قضاه سواء كان الامل الذي يدفعهم جدي او عبثي.
يحكي جويس عن دوبلن على مدار عشر سنوات بعد رحيل تشارلز ستيوارت بارنل، السياسي الايرلندي رئيس الحزب الايرلندي البرلماني ويعد من اكثر شخصيات القرن التاسع عشر تأثيرا، في كتابات جويس تظهر شخصية بارنل بنقاء لا تشوبه شائبة او استهزاء. لقد قدم بارنل ليس فقط امل سياسي ولكن نوعا ما من الامل الروحي المبهم والاكثر. وبذلك تكون قصة Ivy Day in the Committee تعري الطبقة الفارغة للمجمتع بعد موت قائديه بشكل درامي، فيبدأ المواطنون بالتفوه بالاكليشيهات والبحث عن الشراب والصحبة المثيرة للغثيان. الاحساس بالتفاهة وعدم الاهمية في كل سطر وفقرة وفي كل اقتراح لشخصية ما يبدو جليا ان المجد زال وان الضوء قد انطفئ وترك الشخصيات تتلمس طريقها في فراغ غريب.
يتغلف هذا الفراغ بغلاف حزين شفيف حزنا على فقدان القائد، ولكنها ايضا تعج برؤى غريبة للقومية الايرلندية، كأنه شئ تتبناه الناس لجني المال او انقاذ اعمالهم. في Araby في مشهد شارع صاخب يغني بعض مغني الشوارع عن عضو البرلمان أو دونوفان روسا، وقد كان موهوب في العنف القومي.
في After the Race يبدأ والد الشخصية دويل حياته كسياسي وطني ولكن سرعان ما يعدل ارآئه ويتجه لجمع المال. وفي A Little Cloud أدرك تشاندلر ان متجر the Celtic note الموسيقي ربما يساعده في نشر وشهرة شعره في انجلترا. (لم يستخدم جويس حتى اشارة لشعره الخاص بينما لاحظ توماس كيتل في نقد لمجموعته القصصية الاولى "لا يوجد اثر للفلكلور او للهجة شعبية او حتى مشاعر وطنية التي تتلون بها اعمال كل الكتاب الايرلنديين المعاصريين".
في A Mother تحاول مدام كيرني الاستفادة من ابنتها وتدفعها في الحركة الثقافية الايرلندية، حيث ازدهار المواهب الادبية في ذلك الحين كان واسع الانتشار، والاشتراك بالعديد من الحفلات ولكن تقابل جهودها بالفشل. ويحكي والد جيمس جويس عن تلك القصة بأن احداثها مبنية على احداث واقعية حدثت مع جويس في احدى الحفلات الموسيقية. في Dubliners تبدو الجهود المبذولة للهروب من الركود بتبني وجهة النظر القومية مزيفة وغير مثمرة. وهذا يضفي المزيد من البريق الكاذب للشخصيات التي تحاول، انهم اشخاص عادية وليس كما ارادوا ان يظهروا كأمة تسعى الى الحرية. وذلك تأكد من الاشارة الى عدد هائل من العلامات التجارية، فالشخصيات هنا مستهلكون قبل ان يكونوا مواطنون.
في عوليس، اخذ جويس العالم الصغير من Dubliners وقام بتمديده. بينما الشخصية في Grace بمجموعته القصصية الاولى تجعل القارئ يضحك ولكن ذلك ليس متعمدا. انما هم حمقى. في عوليس قدم رجال على قدر من الفطنة ولديهم نوعا من السلاسة الحادة الفائقة في خطابهم الغائب من كتاب القصص. في Grace يحكي جويس عن مستر كيرنان الذي وقع من على سلالم الحانة وجرح نفسه ومحاولة اصدقاءه شفاؤه عن طريق دفعه لاعتناق الكاثوليكية، وهي حادثة وقعت بالفعل لوالده. في هذه القصة حاول جويس ان يحد من ذكاء وخفة دم ابيه. في عوليس، على الجانب الاخر، كانت السخرية لا حدود لها، حتى القوميون يتمتعون بالحس الفكاهي مع محاولات للحد من ذلك. الشوارع المغمورة بالظلام في Dubliners مليئة بالوعود في عوليس. في الرواية يبدو الحالمون والناشدون للتغيير مزدهرون فحسب بالفكر والكينونية والغناء ولقاء احدهم الاخر. يقدم موت قائد عظيم نوعا ما من الانفتاح على المدينة حيث الحياة العامة اصبحت دعابة ويسمح للحياة والافكار واللقاءات الخاصة وحتى ايام الصيف ان تكون لديها بريق وتمتلأ بشكل كامل بالامكانية. اذن فالكتابان يعرضان الفنان في مزاجيين عكسيين. Dubliners يقدم مدينة مليئة بألوان واشباح الخريف والشتاء. انه يقدم صور قوية بشكل كاف لتكون منبوذة في طاقة الكوميديا الحقيقية في عوليس.
في Eveline وClay صنع جويس شخصيتين نسائيتين يعيشوا حياة محدودة ومقيدة ولكن لديهم وعي به من البراءة والرقة اكثر من كل الرجال المتواجدون حولهم.  في Eveline قدم شخصية تحلم بالفرار وكثف وصفه لامالها واحتياجاتها فخلق حياة حيوية لها في اذهان القراء حيث الهروب ليس مستحيلا. وفي النهاية تمتلأ حياتها بالاثارة بالهروب الذي لم يحدث ربما يكون في يوما آخر. في Clay القصة المفعمة بالخسارة وما هو ابعد منها، تتوسط المشهد "ماريا" المعصوبة الاعين تلمس شيئا حيث تحمل عبء تعبر عنه بالشعر رفع الاحداث خلف حدودها في اتجاه فضاء خيالي من الغموض الحالك.
بينما جميع شخصيات Dubliners لديهم خصوصية شرسة فالصورة تتندمج ببطئ مع فضاء خيالي عام اكثر براح وهو المجتمع، مهما كان باهت ومحدود ومفعم بالغياب، الا انه يبدأ في تحديد معالمه. ليس بسيطا ان نستخدم مصطلح "استعمار" لوصف المقيمين في دوبلن، لكن بالرغم من ذلك فكرة انهم يعيشون في مكان ليس لديه الحكم الذاتي السياسي الكامل يجب ان تؤخذ بالاعتبار، ان هناك في الظلال شئ ما كان دائما ضمنا.
من السهل تخيل عن ماذا تدور القصة الاخيرة The Dead، وقعت الاحداث في العديد من المدن الاخرى بجانب دوبلن فالمدن الكبرى مثل دوبلن ليس لديها برلمان وبذلك لا يوجد حكومة. المدن التي تتحدث لغتين مختلفتين او ثقافاتين متباينتين تبدو في حالة تصادم. والمدن التي تحلم باماكن مقدسة في الريف حيث روح المواطنين اكثر نقاءا. المدن الواقعة بين الروح الريفية المملة والقاتلة وحتى احتمالية الكونية الاكثر مللا. دوبلن في The Dead لديها اصداء برشلونة او كالكوتا او ادنبرج في بداية القرن العشرين، حيث الحياة الموسيقية تصلك الى العمق المنشود والاغاني والمطربين يعطوك قوة من السماء.
في كل المدن الاربعة تنتقل الموسيقى من مجرد اداة ترفيهية لتصبح او تحل محل او تقترح ما يفتقده العالم الواقعي. فالاغاني هناك تملك قوة موسيقية وسياسية ايضا. في مجتمعات أخرى، ايرلندا وكاتالونيا والبنغال واسكتلندا، هناك  لغتين دائما في صراع او على الاقل لغة قابعة بظلها القديم ضد اخرى حديثة. من السهل ان تجد انتقاد لمفكر كالكوتي لانه لم يكتب بلغته الاصلية البنغالية او انتقاد لمفكر اسكتلندي لانه لا يرتدي الزي الرسمي "التنورة."
في كل هذه المجتمعات مثل غيرها الكثير، منذ فترة السبيعنيات فصاعدا دائما هناك اخلاص في البداية من قبل الشعراء وكتاب المسرح والرسامين وبعد ذلك من قبل المفكرين والسياسين نحو المناطق الريفية تحديدا. كان هناك اخلاص نحو اماكن خارج برشلونة مثل كانيجو او مونتسني، والريف البنغالي او التلال العالية لاسكتلندا ولجزيرة آران حيث تمنت احدى شخصيات The Dead ان تذهب. هناك اماكن مازالت طبيعية بدائية حيث فكرة الامة بقيت اكثر نقاءا وبساطة.
في The Dead يقدم جويس لنا صورة لهذا العالم في البداية ككوميديا مزعجة او بالاحرى مهزلة. شخصية الانسة ايفورس صديقة الشخصية "كاثلين"، التي تعاني من طمع امها في A mother. تطلب من جبريال ان يتحدث ايرلندي وهي لغته الام، فيصبح هو منغمس في ابتكار التقاليد والتوغل اكثر داخل وطنه. ولكن سرعان ما يتحول صراعه الى تراجيديا وغموض ونقاء شديد الغرابة مثل زوجته جريتا التي قالت بوضوح انها لم تعد تنتمي اليه بل انها تنتمي لعالم اكبر.
مرة اخرى، المناخ العام للقصه مازال موجودا في المدينة حتى الان. فالناس هناك يحتفلون كل عام بعيد الميلاد في نفس المكان ويقوموا بنفس الترتيبات ويرددوا نفس الاشعار ونفس الاغاني والالحان بل يقدمون نفس الطعام ودائما هناك مجموعة من الاصدقاء تبقى للنهاية لتستمع لاغاني خاتمة الحفل والتي تمنحهم مشاعر خاصة قبل ان يجلسوا خارج الحانة تحت اضواء ديسمبر الاخيرة.
تحولات جابريال في The dead ربما تكون منحته اكثر شخصية تتمتع ببراءة في كل المجموعة القصصية في حين انه مثقف ولديه وعي بذاته. التفكير والملاحظه بالنسبة له ليس الا شكل من اشكال الضعف. فاستعلائه على عماته الانيقات، ليلي والانسة ايفورس والشخصيات الاخرى يعكس عزلته. في فشله لاحتضان العالم يحمل القارئ معه في طريق وحيد لطفل مهووس بغرابة في اول ثلاث او اربع قصص. هو متخم بالغموض وهذا يعني ايضا الفخامة والتفوق والعصبية والاستياء على السواء. انه فخور لكنه مقيض ومهدد. انه يعيش في هوس المعرفة التي لم تساعده على التأقلم في هذا العالم.
القصة رغم كل شئ لديها قراء اخرين. لكل قارئ قام بزيارة المنزل في جزيرة آشر فوق رصيف ميناء دوبلن حيث تقع احداث القصة حيث عاش جويس لفترة مع عماته العظيمات اللاواتي عشن مع بناتهن. من السهل مثلا ان نتخيل ان جويس ابتكر مكان ومناخ بل وناس يتذكرهم ويحبهم ولكنهم حقيقة وقد اعرب عن اسفه لخسارتهم. في ابتكار جابريال ابتدع رؤية لنفسه مهزوزة وغير واثقة وانتقده اصدقائه في بعض الاحيان لانه يعاني نقص في المشاعر الوطنية وكذلك والده الذي استخدم لهجته في كلام جابريال. وفي ابتكار جريتا ابتدع جويس رؤية لزوجته نورا وصور هوسه الطويل بالخيانة الجنسية والتي ظهرت في خطاباته وفي مسرحيته Exiles وروايته عوليس. لقد كان ذلك الهوس في نفس مستوى هوسه بايرلندا او دوبلن.
في نهاية the Dead كما في نهاية عوليس حاول جويس ان يصنع صورة كلية ربما تنقل السرد لفضاء اوسع في محاولة لانهاء عدة ايقاعات غامضة ذات نهايات مفتوحة للتنصل من صعوبات الرؤية التي لا بديل عنها. ومع ذلك فان في الجذور الفنية الراديكالية لجويس والتي تسمح للمعاني والآثار المختلفة ان تحيا ضمن قصته النهائية  فلا شئ يسيطر سوى الفكرة الغامضة لجوهر الاشياء وصمت رجل حداثي في وجوههم. 


ترجمة: اميمة صبحي

نُشر في أخبار الادب - 2012