Showing posts with label جائزة نوبل. Show all posts
Showing posts with label جائزة نوبل. Show all posts

Wednesday, April 8, 2015

الجارديان تعتبر فوز موديانو فضيحة

إعلان جائزة نوبل في الآداب هي مناسبة سنوية للنظر إلى الأدباء والروائيين الأمريكيين وكأنهم هوامش في روايات رومانسية. حتى فيليب روث، ذلك العملاق ذو المكانة التي تجاوزت الخمسين عاما، أصبح أكثر المبتهجين المتحدثين عن خاسر العام.
بعد أن حسم السويديين المناقشات حول فوز الكاتبة الكندية أليس مونرو بأعلى جائزة أدبية في العالم في العام الماضي، واصلوا توزيع الآمال على الأسماء من كل العالم حتى صباح يوم الخميس، عندما منحوا الفرنسي باتريك موديانو مكالمة صباحية ذهبية.
هناك العديد من النظريات حول "تحييزات" نوبل، القليل منها يتضمن احتمالية فوز الروائيين من الدول الغير ناطقة بالإنجليزية، والذين لا يعرفهم الكثير من القراء في الغرب أو حتى سمعوا عن أسمائهم، وأن هذا ربما يكون أمرا تفضله الأكاديمية السويدية.
وقد أشار قضاة الأكاديمية الملكية السويدية أنفسهم إلى إنهم لا يستسيغوا تأثير برامج الكتابة الإبداعية على مشهد الكتابة في نيويورك. وبشكل أوسع، فإن نوبل تُعرف بإنها أفضل منصة تواجه هيمنة الثقافة الأمريكية؛ كما أن هناك فكرة قائلة أن قضاة نوبل المنتفخين الأوداج لا يحبون مكافأة الروائيين الذين يحققون المبيعات.
ويرى الناقد الأمريكي دوايت جارنر أن النقطة العمياء عند القضاة السويديين في الأدب هي الضحك. ولكن هناك احتمالية واحدة غامضة وهي أن القضاة في الحقيقة، مرحيين للغاية، حتى إن كان ذلك على الطريقة السويدية، ويرتكز اختيارهم حول استفزاز سنوي واحد هو منح فيليب روث شيء يقوله عن فشله الأبدي في الفوز.
لسنوات عديدة، تدور القصة كالتالي، يقوم روث برحلة إلى نيويورك وينتظر في مكتب وكيله المكالمة المنشودة، بينما لائحة الإعلان الخطير معدة للطباعة والتفعيل. وهناك يجلس، في حجرة الإجتماعات المجهزة بالمرطبات، طويلا، وفي نهاية اليوم يقوم برحلة طويلة، حزينة، عائدا إلى كونيتيكت. يمكن للمخرج تشارلي كافمان أن يحصل على فيلم رائع من وراء هذا.
ومن الأمور المحيرة التي تعتبر لغز، لماذا يلفت فشل روث الانتباه بهذا الشكل المتكرر، من بين حفنة من الروائيين الأمريكيين العظام الذين يتطلعون لنوبل كذلك؟. على سبيل المثال، فإن توماس بينشون ودونالد ريتشارد (دون ديليو) هما في المقام الأول للترشيحات. إلا إن فيليب روث يقدم نفسه كشخص عاجز بإبتهاج عن التوقف عن الإنتظار، فإذا سأله أحدهم عن نوبل، فإنه يجيب بكلمات غاضبة مضحكة حول استبعاد نوبل له. لقد فاز بكل الجوائز الأدبية المرموقة، حيث حصل على البوكر العالمية وجائزة بري مديسيس الفرنسية والبوليتزر وجائزة الكتاب الوطني. ولكن المهيمن على صورته، إنه تماشيا مع الصورة النمطية الأوروبية التي يتم تصورها حول وطنه بشكل عام، لا تترك له سوى الرغبة في المزيد من الجوائز.
المرأة الأمريكية الوحيدة التي رشحت لنيل نوبل هذا العام كانت جويس كارول أوتيس، مما خيب أمالنا لعدة أسباب، ماذا سنفعل، على سبيل المثال، بإنتاجها الإشتركي الطابع والغير مشوق/ مفتقد للسحر، كما أن الجوانب المتثاقلة تحتل جانب كبير من أعمالها. بالطبع أفضل مارلين روبنسون التي لا تكترث للأمور التجارية في الأدب. فقد عادت في روايتها الأخيرة (ليلى) للمرة الثالثة إلى المدينة التي كتبت عنها في روايتيها "البيت" و"جلعاد"، تلك المستعمرة الصغيرة في أيوا حيث العجوز ذو 76 عاما الذي يحكي عن حياته الفانية والروحية، وهذا بالطبع لن يجذب قضاة نوبل.
في الحقيقة، فإن روبنسون كاتبة ماكرة هزلية، تكتب عن مدينة صغيرة نشطة ومقروءة ولكنها أيضا تعتبر روائية جادة بشكل كاف للدرجة التي لا تحصى معها باختيارا شعبيا.
على أي حال، في النهاية، لقد فاز موديانو. تحية كبيرة له ولعشاقه حول العالم. والآن نطرح أهم تساؤلاتنا: من سيكون فيليب روث القادم، الروائي البطل الذي سيصبح خاسر العام ويمكننا جميعا أن نقف وراءه؟

هل يوجد أي شخص هناك، أبيض اللون، رجل روائي، على الجانب الآخر من تلقي التعليقات الحادة بشكل متكرر، ومفرط في استيعابه لنفسه ومتضخم الذات بشكل عام، والذي ربما، لمدة عشر سنوات من الآن، ينتظر توقعات الإحباط السنوي لفوزه بجائزة نوبل؟ 

نُشر بأخبار الأدب - أكتوبر 2014

Thursday, October 23, 2014

عالم موديانو بعد الحرب العالمية الثانية


تصدر لجنة نوبل بيانات غامضة كتتويج للفائزين، ولا تختلف كثيرا عن اختيارتها المبهة في كثير من الأحيان. فتصل بتصريحاتها لأعلى مراتب اللغة الشعرية كما لو إنها مرتبة شرف تتمم كمال الكاتب. أما نحن، القراء العاديين، فنعكف على تلك التصريحات مثل 
حجاج يذهبون لملاقاة الآلهة في دلفي اليونانية القديمة لعلهم يلقوا علينا خبرا، ثم نعود بثروة بخسة.

كان البيان الخاص بالشاعر الفرنسي لو كليزيو، الفائز بنوبل عام 2008، إنه "كاتب الإنطلاقات الجديدة، وصاحب المغامرة الشعرية والنشوى الحسية، ومستكشف الإنسانية فيما وراء الحضارة السائدة". وكوتزي الفائز عام 2003، فقد قيل عنه "إنه ذلك الرجل الذي استعرض وبطرق لا تحصى، المفاجآت التي يقدمها الآخر". أما هارولد بنتر الذي فاز بنوبل عام 2005، فعبرت عنه لجنة نوبل بأنه "يكشف في مسرحياته مدى الإنقياد لثرثرة الحياة اليومية ويقتحم مواطن الظلم الخفية". وكان من المريح أن نعلم أن بيان العام الماضي عن أليس مونرو كان موجزا وأفاد بأنها "سيدة القصة القصيرة المعاصرة".

هذا العام، ذهبت الجائزة إلى الروائي الفرنسي باتريك موديانو، وقال البيان "بسبب تمكنه من فن الذاكرة وانتاجه أعمالا تعالج المصائر البشرية العصية على الفهم وكشف العوالم الخفية للاحتلال". موديانو الذي يبلغ من العمر 69 عام، بدأ في نشر رواياته منذ عام 1968، وتعتبر روايته الأخيرة "حتى لا تضيع في الجوار" والتي صدرت الأسبوع الفائت، مقروءة في فرنسا، ولكن عمليا، لا نعرف عن موديانو شيئا. فلقد نشرت جامعة يال مجلد يضم ثلاث من قصصه، ولكن القسم الأكبر من أعماله مازال غير متاح بالإنجليزية.

ولكن من هو هذا الروائي؟ وما هي المصائر الخفية العصية على الفهم التي كشف عنها؟ ولد موديانو بالقرب من باريس في يوليو عام 1945، لأم بلجيكية وأب يهودي تعود جذوره إلى سالونيك. درس في مدرسة ليسيه هنري الرابع وهي من أرقى المدارس التمهيدية بفرنسا، ولكنه توقف عن الدراسة في عمر 17 عام. وبعد خمس سنوات من منحه شهادة الثانوية، بدأ في الكتابة كما صرح لمجلة Les Inrockuptibles عام 2012. ثم ابتعد عن عائلته وتجول في باريس، يبيع الكتب ليجني المال؛ كما تعلم أن ينسخ أعمال الكتاب المشهوريين مثل بول فاليري وأليان روب جريلي ويزيف إهداءات صفحة العنوان. يقول موديانو "لقد كانت فترة استثنائية ومشوشة". كانت الحرب الجزائرية الكارثية، التي استغرقت أفضل جزء من خمسينات القرن الماضي، قد انتهت للتو. وقد كان هذا، بالنسبة لموديانو، "فترة غير اعتيادية، واجهت بها كبار السن، الذين غرسوا في نفسي شعور دائم بالخطر".

مثل تصور رواية سلمان رشدي "أطفال منتصف الليل"، فإن الأوربيون من مواليد عام 1945 يتميزون بالحدية. فلقد هربوا من ساحة الحرب وظل العار يلاحقهم، ولدوا في وقت الحرية ولكن طاردتهم الاضطرابات؛ فلقد كبروا وهم يترقبوا في خوف. في عام 1969، قام الرسام والنحات الألماني، أنسيلم كيفير الذي ولد قبل موديانو بشهرين، بإنتاج ما أطلق عليه "الاحتلالات"، وهي عبارة عن مجموعة صور فوتوغرافية له، حيث يتظاهر برفع يده بالتحية النازية بأكثر من مكان في إيطاليا وسويسرا وفرنسا. قام كيفير بزيارة أماكن القصف النازي، في دعوة للشعب الألماني ألا ينسى جنون الرايخ الثالث. وقد كانت رواية موديانو الأولى، التي نشرت قبل مجموعة الاحتلالات بعام، تتضمن إسقاط مشابه للماضي الذي نجا بأعجوبة. ولقد نشرت في عام 1942 في باريس السيريالية (في وقت تألق كل من بروست، فرويد، هتلر ودرفيوس)، تحت إسم "ساحة النجمة". كإشارة للساحة الدائرية على رأس شارع الشانزلزيه التي تحيط قوس النصر، وأيضا تشير إلى النجمة الصفراء التي فرضها هتلر على اليهود أثناء الاحتلال.

ظهرت "ساحة النجمة" في الوقت الذي بدأ فيه انهيار صميم الهوية الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية، أو كما قالت الروائية الفرنسية كليمانس بولوك، عندما قمت بدعوتها لمناقشة فوز موديانو، "إنها ظهرت في الوقت الذي بدأت فرنسا، كأسطورة المعارضين، في السقوط". نشر الكتاب في مايو، 1968، في نفس الشهر الذي ثارت فيه احتجاجات الطلاب، وفر شارل ديجول، رئيس فرنسا حينها والبطل المحارب، إلى قاعدة عسكرية بألمانيا في انتظار انتهاء كل شيء. واقترب موديانو من الحقيقة القذرة عن كثب. فلقد رفض والده ارتداء النجمة ولم يخضع عندما اجبروا اليهود على الترحيل إلى معسكرات الإعتقال؛ بل قضى فترة الحرب في إدارة الأعمال بالسوق السوداء والتسكع مع الجستابو المرابطة في منطقة لرويستون.

أخبرتني بولوك، وهي زميل ما بعد الدكتوراه في الدراسات اليهودية بجامعة بنسلفانيا، إنها تعود بقراءة روايات موديانو لنفس الثيمات: تأثير الماضي، والتهديد بالتلاشي، وضبابية الحدود الأخلاقية، والجانب المظلم للروح. وقالت أن موديانو يعتقد أن "الروائي لديه واجب أخلاقي ليسجل آثار الذين غابوا، والذين تلاشوا". وبالطبع لا يغيب عن انتباه أعضاء لجنة نوبل أن فوز موديانو جاء في الوقت الذي زاد فيه معاداة السامية بفرنسا، كما ارتفع معدل هجرة اليهود الفرنسيين إلى اسرائيل، لخوفهم وعدم شعورهم بالأمان في وطنهم، حيث أن ثقافتهم ربما تكون في طريقها للاندثار، وهذا شيء واضح وحقيقي.

كتبت بولوك أطروحة الماجستير عن موديانو، وساعدها هو في وقت لاحق في نشر كتابها الأول. وتعتبر موديانو أعظم الروائيين الفرنسيين الذين على قيد الحياة. وقالت: "لقد قفزت عندما علمت بفوزه بنوبل، وبكيت من الفرحة".

وكان رد الفعل في فرنسا، احتفالي على نطاق واسع. وكما نعلم فإن فرنسا ليست بعيدة عن نوبل؛ فموديانو هو الفائز الفرنسي الخامس عشر. ولكن بعد فوز الشاعر لو كليزيو عام 2008، بدا فوز فرنسي آخر قريبا شيء بعيد المنال.

وصفت جوسيان سافنيو، محررة بمجلة لاموند الفرنسية، في إيميل إلكتروني، كتابات موديانو بأنها "مرهفة، بارعة ومكبوتة". وأشادت بالرجل نفسه قائلة إنه "حذر وسخي، وبمعزل عن وضعه الأدبي المتميز. في الحقيقة، إنه لم يبدع سيمفونيات أو أوبرات، ولكنه عازف بيانو ممتاز". ثم أضافت "ولكني ساخطة، كالمعتاد، لأنهم تجاهلوا فيليب روث".


عن The new yorker