Showing posts with label أدب. Show all posts
Showing posts with label أدب. Show all posts

Thursday, January 24, 2019

فروغ فرخزاد.. شعلة إيرانية للتمرد والعناق

 نُشر في المنصة - نوفمبر 2018
لقد كانت امرأة مُطلَّقَة، تكتب شعرًا صريحًا من منظور أنثوي بلا خجل، بجانب عملها السياسي وموقفها المناهض للسلطة، فأصبحت ولا تزال رمزا للثقافة المضادة.


كنت تجر العالم إلى النار

وتقول.. من يعبد إبليس يحترق!
ومن خلق إبليس الملعون سواك؟
أنت الذي خلقه كغول يأتي إلينا
وأعطيته الوقت مادام العالم قائما
...
لِمَ تلهو بنا؟..
نحن خيط مسبحة تدور بين يديك
وأعيننا حين وقعت بعيون الحياة..
أصبحنا نعرف الخطأ
أصبحنا الخطأ نفسه

- قصيدة "تمرد العبودية"*

في هذا المقطع من قصيدتها "تمرد العبودية"، تضعنا الشاعرة الإيرانية المتمردة "فُرُّوغ فرُّخزاد" أمام أنفسنا، وتجعلنا ندرك أننا، وبخاصة النساء منّا، لم نبلغ الطريق الثوري بعد. ورغم تمرد بعضنا في الآونة الأخيرة؛ إلا أن تمردنا ليس كافيًا. ومن فعلن؛ يظلَّن قليلات، وقد دفعن ثمن ذلك التمرد من سمعتهن وأعمارهن، تمامًا كما دفعت هي: الشاعرة والمخرجة الإيرانية فروغ فرخزاد (1934-1967).


كانت علاقة فروغ مضطربة بكل من حولها تقريبًا. أرهقها التمرد أكثر مما فعل مع المحيطين بها. طليقها الذي تزوجته وعمرها 16 عامًا، وابنها، ووالدها وأخوها الأقرب إليها "فريدون". كما لو أن وجودها كان مُتعبًا للوجود بأكمله، فكان عليها الاعتذار وتبرير موقفها طوال الوقت في رسائلها وفي قصائدها، وفي النثر القليل الذي كتبته بعيدا عن الشعر.
ففي رسائلها لوالدها الضابط السابق بالجيش الإيراني، تعتذر فروغ بشدة عن تأخرها في الرد على خطابه، ويبدو أنها تلقت تأنيبًا شديدًا؛ فهي تسعى بقوة لإثبات "أن من تحبهم من صميم قلبها لا تنساهم أبدا"، كما تقول له في رسالة أخرى "كنت أرغب في الكتابة لكم عن كل حياتي ومشاعري ومشاكلي، ولم أكن قادرة ومازلت عاجزة عن ذلك، إذ كيف يمكننا الوصول إلى تفاهم مشترك بيننا؛ عندما تكون قواعد أفكارنا وعقائدنا قد تشكلت في زمنيين ومجتمعين مختلفين من ناحية الشروط والمعطيات؟.. ألمي العظيم أنكم لا تعرفونني أبدا ولم ترغبوا يوما في ذلك، وربما لا زلتم عندما تفكرون بي؛ تعتبرونني مجرد امرأة فارغة الرأس حشت قراءة الروايات الغرامية والقصص التي نشرتها مجلة طهران مصور (طهران المصورة) رأسها بالأفكار الحمقاء. ليتني كنت هكذا، لكان باستطاعتي آنذاك أن أكون سعيدة".
وجهت أسئلتها للإله مباشرة، وضغطت في تساؤلاتها وكأنها تريد إجابة فورية. ربما لهذا رغبت في موت مبكر، لأنها ضاقت من تساؤلات لا تجد لها إجابة هنا.
كانت تستجديهم ليسمحوا لها بنشر كتاب بدون ضغوط أو مشاكل، وتؤكد لهم أنها بالفعل تحبهم وتكترث لمشاعرهم، لكنها غير قادرة على كبح موهبتها وكتمان دخيلة صدرها. كما دافعت عن سمعتها التي ساءت بحكم إنها سيدة مطلقة أولا، وشاعرة ثانيا "من يستطيع أن يدعي أنني نمت ولو ليلة واحدة خارج المنزل؟ كلا، فأنا في غرفتي ليل نهار أنجز أعمالي، وغير راغبة حتى في الخروج. بعكس ما تتصورون فأنا امرأة تحب التجوال في الشوارع، بل أنا ذاتي، امرأة تحب الجلوس إلى الطاولة وتقرأ وتكتب الشعر وتفكر.. لو كنتم تسمحون لي وتعدون بعدم الاستياء مني لقلت أشياء كثيرة أخرى.. أما إن كنتم ستستاؤون مني فالأفضل أن تبقى شفاهي مطبقة كما كانت العادة دوما. يكفي أن تعرفوا أنني أحبكم مثل بقية أولادكم ولا أريد أن أقوم بما يزعجكم". ورغم كل هذا الاستجداء إلا أنها لم تتوقف يوما لتنظر خلفها، بل أن تمردها طال الإله نفسه، تمرد ناعم في شكل تساؤلات وعتاب حينا؛ وحينا آخر بصوت عال ومواجهة صريحة. كأن الإله كبش فداء لكل أسئلتها وروحها المتعبة التي لم تستطع بها مواجهة عائلتها بشكل مباشر.
تنبأت الشاعرة الإيرانية -التي ستظل شابة لرحيلها قبل أن تتم الثالثة والثلاثين- بأنها سترحل صغيرة. قالت فروغ لأخيها الشاعر والموسيقي فريدون في رسالة؛ "على أي حال أول من سيموت في عائلتنا هي أنا، ومن بعدي يأتي دورك، أنا واثقة من هذا".
ولثقل الحزن واليقين بقرب الموت؛ اقترنت أشعار فروغ فرخزاد بهما، وحملتهما (الحزن والموت) راية عصيان ضد الحياة، وخاصة في دواوينها الأخيرة.
عندما أخرج عباس كيارستمي فيلمًا حمل عنوان قصيدة لها "سوف تحملنا الرياح" The wind will carry us؛ كان فيلمًا عن الموت وانتظاره، تسير أحداثه في قرية جبلية صغيرة، يحضر إليها شاب مجهول ويمكث في أحد بيوتها الصغيرة في انتظار موت السيدة ملك التي تجاوزت المائة عام بكثير، حتى أن أهل القرية توقفوا عن عد سنوات عمرها. الشاب ينتظر موتها يوما بعد يوم، بينما أهل القرية جميعهم يعملون على راحتها ويدعون لها باسترداد الصحة. الموت مقابل الحياة؛ حتى لو كانت حياة فقيرة استهلكت سنواتها ومضت ذروتها.




في رسائل العتاب التي تبادلتها مع أخيها فريدون، الشاعر والفنان الذي كان يعيش في ألمانيا، كانت ترسل له النقود وتعتذر عن قلتها لأنها فقيرة، ولا يوجد أحد لتستند إليه في أيام فقرها الشديد. تشكو من الوحدة والتعاسة وتعنت الناشرين في نشر دواوينها ودفع مستحقاتها المالية، وترجوه ألا يلومها لعدم الكتابة بانتظام. كانت تحبه وتُدلِّله بـ"حماري الصغير"، وتؤمن بموهبته الشعرية. كما انتظرت منه أن يمد إليها يد العون، كونه أقرب أخوتها إليها، وأكثرهم إحساسا بمعاناتها، ولأنه كذلك يكتب الشعر ويدرك مخاطره. لكن يبدو أن هذا العون لم يأت أبدا.
كان لفروغ ولد وحيد؛ كاميار "كامي كما كانت تدعوه"، أَُخذ منها بعد الطلاق دون رغبة منها، بعدما اتهمت بتعدد علاقاتها العاطفية. لكنها لم تحاول استعادته، لقد وهبت حياتها كلها للفن وضحت بكل شيء من أجل حريتها وقلمها. تقول عنه "أنا مقطوعة الصلة عن حياتي السابقة - عندما أرى كامي في الشارع، حيث يصل طوله اليوم إلى أكتافي، يبدأ بدني بالارتعاش وقلبي بالانفجار، ولكنني لا أريده لا أريده. ما الفائدة من هذه الروابط والعلاقات؟"




مدينتي أنا وأنت يا طفلي
منذ أمد وهي بيت للشيطان
سيأتي يوم وعيناك – بحسرة - ..
ستنزلقان على هذه الأغنية الموجعة
تبحثان عني بين كلماتها
وتقول مع نفسك.. هل كانت أمي هكذا؟

لكنها حملت مشاعر الأمومة بداخلها أينما ذهبت. فهي تهتم بأخيها وترسل له الأموال، وتقدم له نصائح تساعده في حياته الاجتماعية والزوجية، وتخبره برأيها في شعره وتشجعه على الكتابة والبقاء في ألمانيا وعدم العودة لطهران حيث الوسط الأدبي "متعفن ومناخه لا يشجع على النشر والتطور". كما تبنت طفلاً عانى والداه من مرض الجذام، وأخذته يعيش في منزل والديها. وكانت ترسل الرسائل لوالديه بانتظام لتطمئنهما عليه، وأخرجت فيلم "البيت أسود" عن مرضى الجذام ومعاناتهم.


في طيات أشعارها؛ يسير اليأس والحب والتمرد جنبا إلى جنب. وكأن أحدهم هو من يدفعنا نحو الآخر ثم ينفرنا منه، علاقة طردية وعكسية في آن، فتقول في قصيدة "الخصام"


تركت جسدك في هذا العالم
فغايتي ليست جسدك
لو أنني ركضت لأجلك
فقط لأنني أعشق العشق لا الوصال بك
حتى ظلام ليلي الحالك
الحلم بالعشق أجمل من طيفك



وهي واحدة من قصائد قليلة، تمردت فيها على العاشق الذي تناجيه طوال كتابتها السابقة. إنها ترفع راية الخصام وتقولها بوضوح إن العشق هو المعشوق النهائي، أمّا شخص المحبوب؛ فما هو إلا وسيلة تصلها لغايتها. لكنها تعود، في قصائد أخرى وتعلن عن حبها الهائل، لكنه حب خائف أحيانا، ولا يكتمل أبدا. بعد انطلاقها في الحب لحد الابتذال في قصائدها الأولى. تقول في قصيدة "الخوف"


من غصن شجرة العزلة
في سرير العشب الطري
بقيت أنا وشعلة العناق
أخشى من هذا النسيم أن يعانقني
أخشى أن تفوح من جسدي بين الأغراب رائحة العشب الطازج

بدءًا من ديوانها الثالث "العصيان"، يمكننا أن نلمس تجربة شعرية حقيقية قادتها فروغ بحساسية وحيرة وتساؤلات وجودية فريدة، حتى أنها وجهت أسئلتها للإله مباشرة، وضغطت في تساؤلاتها وكأنها تريد إجابة فورية. ربما لهذا رغبت في موت مبكر، لأنها ضاقت من تساؤلات لا تجد لها إجابة هنا، كما رغبت في جسد آخر في زمن آخر. ربما كل هذا الضيق لتستطيع الحياة مرة أخرى وقد نحَّت الحيرة جانبا، وكرَّست وجودها لـ"الوصول". تقول فروغ "لا أعرف ما الوصول، إلا أنه بلا شك هدف يتجه كل وجودي نحوه".
أتمنى أن أنتهي أو استمر هكذا. لا يهمني الصعود أو التقدم. أرغب فقط في النزول، الانحدار مع كل الأشياء التي أحبها، لأحل في كل [شيء] غير قابل للتبدل.
في رسائلها لحبيبها ابراهيم كلستان، كتبت الكثير من هواجسها وأفكارها. كان هو الوحيد الذي لم تضطر إلى الاعتذار إليه عن أي شيء، أو تبرير نفسها له. كانت تطلق يديها وتكتب له دون اكتراث لسمعتها التي تلطخت بأسباب عديدة، وعلى رأسها علاقتها به.
قالت له في أحد الخطابات؛ "عندما كنت عائدة إلى المنزل كما الأطفال اليتامى، كنت أفكر بزهوري.. زهور عباد الشمس. إلى أي حد نَمَت؟ اكتب لي. عندما تتفتح الزهور بادر بالكتابة لي. من مكاني الذي أنام فيه أستطيع أن أرى البحر.. القوارب على سطح الماء ولا أحد يعلم أين نهاية البحر. لو كنت أستطيع أن أكون جزءًا من هذه اللانهاية، لاستطعت أن أكون حيثما شئت.. أتمنى أن أنتهي أو استمر هكذا. لا يهمني الصعود أو التقدم. أرغب فقط في النزول، الانحدار مع كل الأشياء التي أحبها، لأحل في كل غير قابل للتبدل. يبدو لي أن هذا هو المهرب الوحيد من الفناء والتدهور والضياع والاندثار".
تعود أهمية فروغ وشهرتها العالمية لتجاهلها القيم المحافظة في عصرها، وهذا يعني الكثير. لقد كانت امرأة مُطلَّقَة، تكتب شعرًا صريحًا من منظور أنثوي بلا خجل، بجانب عملها السياسي وموقفها المناهض للسلطة، فأصبحت ولا تزال رمزا للثقافة المضادة. وقد كسبت معجبين ومنتقدين على نفس القدر من الحماسة. تقول في قصيدة "سألقي التحية على الشمس".


أخذني إلى بستان الورود الحمراء

وعلق على جدائلي المضطربة ورودا حمراء
وفي النهاية نام معي فوق ورقة من الورد الأحمر
أيها الحمام المشلول
أيتها الاشجار الساذجة اليائسة
أيتها النوافذ العمياء
تحت قلبي وفي أسفل ظهري الآن تنمو وردة حمراء
حمراء
كعلم في يوم المعاد
اه.. أنا حبلى.. حبلي حبلى

يقول المخرج الايراني مهدي جامي "في ثقافة أي بلد؛ هناك رموز ثقافية، مثل شكسبير في بريطانيا. فرخزاد كانت كذلك بالنسبة لإيران المعاصرة، فهي من شكلت الهوية الحديثة للشعر الإيراني. كانت تكتب بطريقة بسيطة وحميمة. لم تكن تتصنع لا في شخصيتها، ولا في شعرها... كانت آخر شخص  يقول الحقيقة في بلادنا".
عاشت فروغ فرخزاد حياة بسيطة، للحد الذي جعلها تسافر أوروبا لأول مرة على متن طائرة بضائع، واستنكرت بشدة كل المظاهر الفارغة التي يتمسك بها البشر بلا قيمة حقيقة. كتبت الشعر وخاضت مختلف المجالات الفنية مثل التمثيل في أفلام ومسرحيات، والإخراج السينمائي والوثائقي. كما كتبت القصة القصيرة وعملت في الإنتاج والاعلانات والدوبلاج. تُرجِمَت أشعارها إلى العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والكردية والنيبالية والروسية والتركية والأردية والأوزبكية. حاولت الانتحار مرتين ودخلت إلى مصحة نفسية للعلاج من الاكتئاب أكثر من مرة. كما اعتقلت مرات عديدة إثر اشتراكها في نشاطات سياسية ديمقراطية.
عندما رحلت كانت مكتملة ومتوازنة بشكل كبير. لم ترحل قبل أوانها، كما يشير البعض، رغم إنها لم تكمل عامها الثالث والثلاثين.
بنظرة سريعة على قصائدها نجدها في الدواوين الأولى "الأسيرة" و"الجدار" كأنها مراهقة في حالة عشق مع الحب ذاته. تتلون حالتها المزاجية ما بين الحب واليأس ولوعة الانتظار. وتنضج المراهِقة وترى الحياة من جوانب أخري، وتدرك قيمة التمرد في ديوان "العصيان"، وتوجه تساؤلاتها وحيرتها للإله ذاته، وترفع راية الثورة وتشفق على كل من عصى وتطلب له الرحمة. وتسير ببطء في رحلة كالفردوس المفقود لميلتون، لتحكي ثنائية الإنسان والشيطان، وتوهتهما في دروب الإله المختلفة.


كيف يمكننا أن نأمر ذلك الذي يذهب الآن

بصبر..
وثقل..
وضياع..
أن يقف
كيف يمكننا أن تقول لذلك الرجل
أنه ليس على قيد الحياة..
وهو لم يكن حيا أبدا

يضم ديوانها الأخير الذي نشر بعد موتها "فلنؤمن بطليعة الموسم البارد" قصائد كأنها كُتبت من العالم الآخر، من تحت التراب، كأنها لم تنس أن تكتب الرسائل التي سترسلها لنا من هناك لتؤكد على رحيلها ووجودها داخل الأرض الطرية وشعورها الدائم بالبرد "كأنها لم تدفأ أبدا". لكنها رغم ذلك لم تتوان عن إلزام الموت بالوقوف، أو على الأقل فكرت في هذا.


أنا بعد موتي

لم أجرؤ يوما على النظر في المرآة
ومت بالقدر الذي لا أستطيع فيه أن أثبت موتي لأحد




جميع النصوص الواردة لفروغ فرخزاد. المصادر:
نصوص نثرية – ت: خليل علي حيدر – دار العين
الأعمال الشعرية الكاملة – ت: مريم العطار – دار المدى

Sunday, June 2, 2013

كنبة زرقاء تُحلّق من النافذة

إنتابتني ملل مفاجئ وأنا أبحث عن علبة الذرة المسلوقة، أنا أصلا لا أحبها كثيرا فلماذا كل هذا الجهد في البحث عنها!. تأكدت من وجود كل شئ في مكانه، لا شئ ينقصني سوى تلك العلبة اللعينة، ولكني لن اتوقف عندها أكثر من ذلك.
الُلب الأبيض والسوبر والفزدق في الطبق الأحمر كما هم منذ أمس وبجانبهم كتاب شعر أستمتع فقط بوجوده جانبي، أقرأ كل يوم إلى منتصف القصيدة، إلى أن أشعر بذوباني في متعة الشعر، فأخاف أن أفقد الإحساس به فأتركه.أنه شئ مثل تأخير المتعة حتى النهاية، نهاية اليوم، الأسبوع، العمل، العمر، لا يهم، الأهم هنا أني أعرف أن هناك متعة ما في إنتظاري وهذا بمفرده يجعلني مرتاحة.
اللاب أيضا في مكانه والسوند كلاود على مصرعيه، أختار ما يناسب مزاجي اليوم وأضع الهاند فري في أذني.. وأنفصل. وضعت زجاجة مياه كبيرة وعلبة شيكولاتة باهظة الثمن اتعامل معها مثل تلك القصيدة. سكنت لحظة لأفكر: ماذا أحتاج أيضا للطيران؟.. ربما وسادة صغيرة وغطاء خفيف تحسبا أن يكون الجو بارد في الأعلى.
لم أنس عالية بالطبع، ولكني لم أحب فكرة المخاطرة كثيرا وهي معي. الخوف يُولد لحظة ميلاد طفلك، يستقبله الطبيب أولا ويضعه فوق قلبك ثم يستقبل الطفل ويضعه بجانبك، الخوف دائما أقرب إليك من أطفالك لذلك لم أضمها لأشيائي فوق الكنبة الزرقاء.
الكنبة كبيرة، أجلس فوقها كل ليلة وأغوي الليل. ماذا قد يحتاج ليل أسود وحيد غير ما لدي ليستجيب ويتسامر معي؟ لا اكره الآذان أبدا، ولكني أكره صوته القبيح. ألا يدرك المؤذن على يسار منزلي أن صوته مزعج؟، وذاك على اليمين، ألا يعرف أن صوته يمنعني من الصلاة لسخطي عليه؟
الحائط المقابل للكنبة، لصقت فوقه صور كثيرة تَطُل وتُشرف على الحجرة وتسليني بينما أشحذ الأفكار، حفظت كل أركان إبتسامتي وأعرف إنها حلوة ولكني زهقانة قليلا وأريد أن أكف عن الإبتسام أمام الكاميرات. وهنا اواجه مشكلة أخرى تزعجني: أن بروز عيني يبدو واضحا عندما أكشر، فاعاود الإبتسام مجبورة. كل هذا ليس مهما الآن، ما يهم حقا هو أني قررت الليلة الطيران.
فتحت أبواب النافذة الكبيرة جدا المغلقة دوما. التي إذا أنفتحت دخلت الشمس والهواء و.. عيون الجيران.
إنها الخصوصية يا عزيزي، بالطبع، أُومال؟ 
لا يمكن لشَعّرك الساكن أن يطير ولا لجلد أذرعك أن يلمع تحت الشمس. لا مكان لهذا هنا، فالشارع واسع وسع الدنيا ولكن كل النوافذ تطل عليه.. كل الأعين تنتظر لترى ما يخصه ’هو‘ وحده!
كأمرأة/ زوجة/ أم تعيش بمفردها تغتالها الأنفس في كل لفتة، سأطير ليلا وأعود ليلا قبل حتى أن يفكروا فيما سيتفوهوه.
لم يقل لي النجار أن الكنبة الزرقاء في إستطاعتها الطيران، ولكني حدثتها كثيرا عن ماهيته، أخبرتها عن السعادة التي تنتاب كنبة عجوز ضخمة إذا حلقت من نافذة. الكنبة صموت كالعادة ولكنها هزت لي مسنديها مرتين، فعرفت إنها موافقة.
وضعت تحت وسائدها خريطة كبيرة لكل مكان وطلبت منها بهمس أن تفاجئني بشرط، أن نعود قبل الشمس.

جلست وتشبثت بإحكام، اهتزت الكنبة بعنف وتقلصت كثيرا حتى أن الطبق الأحمر وقع وتبعثر اللب والفزدق في كل مكان
 لست نادمة! بوسعي أن أستخدم المكنسة الحديثة جدا عندما أعود. أو ترك النافذة مفتوحة قليلا فيدخل طائر ما ليجد رزقه بجانب الكنبة.
وانطلقنا في الهواء. جارة سمينة كانت في شرفتها، لمحتني كما لمحتني قبل ذلك أُحادث صديق وتساءلت بداخلها عن من يكون، فرفعت لها إصبعي الأوسط من بعيد ولكنها لم تر، لأن طبيب عيون ما قال لها أن عينيها لستا على ما يرام.
نظرت لها من فوق الكنبة المحلقة، وقلت بصوت عال ملأ الشارع بأكمله: 
نعم، أنا أخرج من نافذتي ليلا، سرا، حتى أهرب من دواخلكم السوداء، أيها الحمقى الأغبياء المزعجون.

ربت على الكنبة بلطف وهمست لها: 
سنعود عند  العصر، عندما توشك الشمس على الخروج من عنق السماء

Wednesday, March 27, 2013

Beyond the Great Indoors

عرض سريع لرواية إيلين للكاتب النرويجي Ingvar Ambjrnsen والتي تم نقلها إلى الإنجليزية تحت إسم "ما وراء الأبواب العظيمة" بواسطة المترجم الإنجليزي Don Bartlett والمترجمة Kari Dickson الاسكتلندية الأب ونرويجية الأم.
تحكي الرواية عن ايلين المصاب بمرض التوحد والذي كان يعيش بصحبة والدته ثم توفت تاركة إياه بدون خبرة في الحياة. ينتقل ايلين بعد وفاتها الى دار رعاية وهناك يقوموا بتأهيله ليستطيع التكيف مع المجتمع. في هذه الدار يعرف ايلين صديقه فيما بعد كجيل باجرني الذي يعاني من إعاقة ذهنية. بعد انتهاء فترة التأهيل يخرجا سويا للعالم تحت إشراف الدار التي تمنحهم شقة صغيرة ومرتب شهري يساعدهم في بدء حياة طبيعية.
يعيش ايلين وكجيل في العاصمة أوسلو بمخبأهم دون محاولات جدية للاندماج في المجتمع والتعرف على الجيران. يحاول فرانك المشرف النفسي المسئول عنهم حثهم على الخروج وشراء احتياجاتهم والذهاب للسينما ولكنهم في البداية يجدوا صعوبة في ذلك. ايلين لا يخرج غير في صحبة فرانك وكجيل، اما الأخير لا يخرج سوى لشراء احتياجاتهم من الطعام ويقضي يومه في المطبخ الذي يحبه ليصنع الطعام.
بمرور الوقت يستطيعان الاندماج بسهولة اكثر. في إحدى الايام عند عودتهم من مطعم حيث تناولوا العشاء، سمعا ضجة على سلم مسكنهم. في البداية كان الخوف هو الشعور المسيطر ولكن تحمس كجيل وأخذه فضوله للجري لأعلى ليرى بنفسه ما يجري. وقد كانت سيدة شابة ثملة وتائه على درجات السلالم. فيحملها كجيل حيث شقتها ويصاحبه ايلين ثم يصمم كجيل ان يبقى معاها حتى تفيق من اغماءتها بينما يهلع ايلين من فكرة تواجدهما في شقة مجاورة غريبة. كل ما يفكر به ان دار الرعاية سوف تسحب منهم الثقة والشقة وتجبرهم على العودة الى هناك. دائما ما كان ايلين يفكر بخوف في اي غلطة قد يقترفها وتكون سبب للعودة مرة أخرى الى حيث لا يريد.
وبالفعل يبقى كجيل بجوار السيدة ويعود ايلين لشقتهما بالدور السفلي ساخطا. وبعد احداث قليلة يقعا كجيل والسيدة الشابة في الحب سويا ويتضح لنا ان السيدة، رايدن، حامل من إثر علاقة سابقة بشاب اسباني. ولكن كجيل لا يكترث لذلك ويبدأ في الاهتمام بها والتقرب منها. يشعر ايلين بالغيرة احيانا من جراء هذه العلاقة ولكنه يكتشف بالصدفة انه قادر على كتابة الشعر ويبكي متأثرا بهذا الاكتشاف فينشغل عنهم بموهبته الجديدة.
في إحدى الأيام تدعو رايدن كلاهما على الغداء ولكن ايلين يشعر بإنه غريب ولا يقبل الدعوة متحججا بأنه لديه اجتماع مهم في نفس اليوم. ويبدأ يبحث في الجرائد عن مناسبة ما ليخرج إليها ولا يبدو كاذبا امام كجيل فيرى اعلان عن أمسية شعرية في إحدى المقاهي الراقية ويدرك انها أفضل ملاذ له بعد اكتشاف موهبته في الشعر.
هناك يتبادل الحديث مع احد الضيوف، وقد تقابلا سويا قبل ذلك اليوم في إحدى المطاعم. لا تعجبهم الأمسية كثيرا فيقررا الخروج لتقضية المساء في مقهى آخر وتناول بعض العصائر. بعد هذه الليلة يصبح ايلين صديقا لألفونس العجوز والذي نعرف بعد ذلك من فرانك انه شاعر نُشر له دواويين شعريين في فترة السيتينيات وقد أثرا في حركة الشعر في ذلك الوقت وتم تدريس بعض قصائده في الجامعة ثم توقف وانسحب فجأة من المشهد الثقافي ولم يعد أحد يعرف عنه شيئا.
في أحد الليالي يصاب ألفونس بكدمة في قدميه تمنعه من الحركة فيتصل بإيلين ليأتي لانقاذه. فيذهب كجيل بصحبته ويحمله الأول الى المستشفى لتلقي الاسعافات اللازمة. وتتكرر الزيارات لبيته وبصحبتهم رايدن ايضا. يعرف كجيل ان ألفونس يملك سيارة امريكية قديمة الطراز وتقبع في المرأب لعطل ما لم يتعرف عليه أحد بعد، فيتطوع لاصلاحها. ويعده ألفونس بأنه لو استطاع اصلاحها بانه سيصطحبهم جميعا في رحلة الى الشاطئ حيث كابينة مملوكة له هناك.
وبالفعل يستطيع كجيل اصلاح السيارة ويذهبوا جميعا الى الرحلة الموعودة بعد استشارة فرانك واستئذانه. هناك في الكابينة تقرر رايدن النوم في حجرة كجيل، فلا يتبقى لإيلين سوى مشاركة ألفونس غرفته. يغضب ايلين بشدة ويخبر كجيل بأن اقدامه على اي علاقة جنسية مع رايدن وهي في أواخر شهور الحمل بالتأكيد سيؤذي الطفل ومن الممكن ان يموت. ويفكر بإخبار فرانك عن هذه الجريمة. وتمر الليلة في قلق وترقب، وعندما يذهب ايلين للتمشية على الشاطئ، يتبعه كجيل بإحساس عميق بالذنب ويخبره انه لا يريد إيذاء او جرح أحد ويطلب منه سرواله التحتي لأن خاصته غير نظيف. وهنا يجن جنون ايلين ويتهمه بالخنزير الحقير لأنه لا يهتم بنظافته الشخصية ابدا.
ويعطيه ايلين سرواله التحتي ويرفض ارتداء سروال كجيل بل يشعر بالراحة لدفنه في الرمال حتى لا يراه احد. ويهرول الاخير للعودة للكابينة بينما يبقى ايلين على الشاطئ لساعتين متتاليين. عندما يعود يطمئن قلبه لإيجاد الجميع نيام ولكن بعد برهة يسمع انين رايدن. في البداية يفكر في انه آلام المخاض ثم يسمع صوت قهقهه خافتة فيفهم انهم يقيمون علاقة. فيتجهم ويفكر انه لا يريد ان يسترد سرواله التحتي من كجيل بل انه لا يريد ان يرى ذلك السروال مرة أخرى أبدا.
في نهاية الرواية تلد رايدن طفلة جميلة ويحتفل ايلين وكجيل بمولدها احتفالا صاخبا في إحدى البارات ويشربوا الخمور لأول مرة في حياتهم فيثملوا بشدة ولا يتذكرون شيئا عن نهاية ذلك اليوم او كيف عادوا الى منزلهم. يشعر ايلين ان هذا هو النهاية وان بمجرد ان يعرف فرانك بأمر ثمالتهم وترنحهم في الشوارع بعد منتصف الليل سيعيدهم مرة أخرى الى دار الرعاية. ولكن فرانك يضحك بصوت عال ويطمئنه ان هذا طبيعي لأنهم مازالوا في بداية الانخراط في المجتمع والخروج للعالم الحقيقي وان الخطأ وارد بشدة في مثل تلك الحالات.
ورغم ان ايلين قد منع الجميع من التحدث مع ألفونس في أمر توقفه عن الشعر او حتى يذكر امامه انهم عرفوا حقيقة شخصيته إلا انه لم يتمالك نفسه عن سؤاله لماذا توقف فيجيبه ألفونس "لقد قلت ما عليه قوله ثم شعرت بالضجر، اعتقدت ان الاخرون ربما لديهم ما هو أكثر لقوله".
الرواية بديعة كتبت على لسان ايلين. تهتم بالتفاصيل والامور الحياتية من وجهة نظر معاق ذهنيا وهذا يبدو لي أمر مختلف عن كل ما قرأته عن تلك الفئة من البشر. لم أقرأ رواية بصوت راوي معاق سوى رواية ويليام فوكنر "الصخب والعنف" الذي جعل بطله بنجامين المصاب بالتوحد ايضا يروي إحدى فصول الرواية. كان تصور فوكنر عن المتوحدون أنهم محدودي الذكاء، أغبياء وحمقى. ولكن الكاتب هنا أثرى شخصية ايلين بقوة الملاحظة ومحاولته لتفسير كل شئ والإلمام بكل ما يمر به من تفاصيل وإبداء رأيه في إحدى الافلام السينمائية مثلا او في العلاقات الجنسية والأنسانية بين البشر، كل هذا اعطى بعدا آخر لشخصية المعاق ذهنيا. وكم نحن نحتاج هذا في وطننا العربي الذي لا يفرق بين المرض النفسي والجنون ووصمهم بالعار. كما انه اضفى عليه ذكاءا ملموسا نجده في محاولة ايلين نشر شعره بطرق مبتكرة مثل نحت شعره على ابواب الحمامات او وضع قصيدة في ورقة صغيرة داخل علبة مخلل وإعادة قفلها كما لم تلمس من قبل وإعادتها للبائع ليعيد بيعها بدوره وبذلك ينتشر شعره ويكون حديث المدينة.
تم تحويل الرواية إلى فيلم بعنوان Elling وحاز على جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 2001.

ولد الكاتب إنجفار في عام 1956 وهو من أشهر الكُتاب الرنويجيين  المعاصريين وأكثرهم تأثيرا. وحاز على عدة جوائز لأعماله الأدبية المتنوعة ما بين أدب الطفل والأدب الكوميدي الإنساني.


ظل أسود وحيد في الليل


كان يوم طويل مرهق كالمعتاد، بالكاد حملت جسدي الى السرير في الغرفة الشرقية الدافئة في مثل هذا الوقت من العام. تأملت السقف مليا في ضجر وانا أتذكر ما حدث اليوم. سرقتان في يوم واحد لمنازل اصدقائي، أين نحن من هذا العالم؟ نعم نحن البائسون المطالبون بتحقيق أمننا بذراعنا. بدأت أفكر مؤخرا في امتلاك سلاح ولكني لا اعرف كيفية الامساك به. أتذكر يوم حين مسكت طبنجة جدي سرت قشعريرة فوق سلسة ظهري وجعلتني انتفض من برودة قطعة الحديد هذه. 
أغمضت عيني في محاولة لإستجداء النوم ولكني فكرت سريعا، هل أغلقت باب الشقة بالمفتاح؟. من المفترض أن أحمل جسدي مرة أخرى للباب لأتأكد ولكني لن أفعل وليذهب العالم للجحيم.
كدت أن أغفو ولكني أرهفت السمع قليلا. أعتقد إني أسمع صوتا قادما من الردهة. لا فائدة، يبدو إني سأنهض من على السرير مجددا وأمرى إلى الله. تحسست طريقي على أطراف أصابعي دون إحداث أي جلبة حتى أستكشف من هناك. أزحت الستارة برفق والضوء الأزرق البارد الذي استخدمه مؤخرا في إضاءة الردهة يتسلل بهدوء لمخدعي. هذا الضوء يجعل يدي تبدو باهتة ولابد ان السارق سينهار عندما يراني بهيئتي الضخمة وشعري الطويل المنفوش فوق رأسي. سيحسبني زومبي صاعد للتو من مقبرة ما من أطراف المدينة. يجب ان اضع لمبة زرقاء في صغيرة في مدخل العمارة أيضا.
يبدو لي ان كل شئ على ما يرام وأن السارق لم يقرر بعد أن يغزو بيتي. جلست فوق الأريكة ألتقط انفاسي وقد طار النوم ورفرف مبتعدا. كيف سأقضي ليلتي؟. نظرت مرة أخرى للسقف متأملا. من السخافة ان نصدق ان الأدباء والشعراء يستلهمون أفكارهم بالنظر للسقف، إن السقف ممل ويشعرني بضيق العالم وضحالته.
ماذا أفعل الآن؟ هل أطارد الناموسة التي أرقتني بالأمس أم أنظف الحوض من آثار العشاء؟ اعتقد إني سأطل قليلا من الشرفة لأقرر. انا أحب شرفة منزلي. إنها تطل على ميدان صغير يتوسط الحي الذي أقطنه، في وسط الميدان نافورة صغيرة لا تعمل. أنا أول من طالبت بإنشائها. جلست على ذلك المقهى المقابل لمنزلي وقلت بصوت عال لعم حنفي: "وإحنا ليه ما نعملش في الوسط هنا نافورة  ترطب الجو في الصيف؟" لم ينتظر عطيه حتى أُكمل جملتي وإنطلق يتحدث مع رؤساء الحي هنا وهناك ويجمع التبرعات ويناشد ويطالب حتى حصل على ما يريد. عطيه يكرهني وانا أعلم ذلك، وأحركه من خلال كرهه لي. فقط أضع بذرة شئ ما ويقوم هو  بري البذرة ورعايتها حتى تكبر ثم أحصد أنا وأستمتع. غير مهم أبدا ان يُقال أن عطيه هو من سعى لإنشاء هذه النافورة، المهم هو راحتى الشخصية وأنا أجلس على القهوة في الصيف اللعين وأستمتع بطراوة الهواء المعبق بماء ندي يأتي من ناحيتها. فليهنأ عطيه بتركته وأهنأ أنا بلذاتي السرية الصغيرة.
النافورة حاليا لا تعمل لأن عطيه لم يعد يكترث لها بعد أن توقف عن الجلوس على المقهى لخلاف بينه وبين الأسطى حنفي صاحبها. فتوقفت الرشاوى عن الحي وتوقفت النافورة معهم بدورها. لذلك لابد ان أبذل قليل من الجهد لإعادة عطية للمقهى وإنهاء الخلاف بينهم.
إنه الواجب بالطبع. الليل جميل، تنهدت، وجلست القرفصاء أتأمل السماء في صمت من شرفتي بالدور السادس، منها وفي هذا الليل الرائق ، أستطيع أن ألمس السماء.
بعد برهة سمعت أصوات قادمة من الشارع المقابل. أرهفت السمع مرة أخرى، كان بإستطاعتي أن أكون جاسوسا درجة أولى لو أعطاني أحدهم الفرصة. ولكنه حظ عوالم بالطبع كما نعرف جميعا. أعتقد أن المتكلم هو حامد إبن عطيه الأكبر. حامد من الشخصيات التي يمكنك ان تعتبرها حمقاء، خرقاء، عجفاء.. ولكنه يستطيع أن يخطط للجريمة الكاملة وهو مستغرق في قيلولته. أسمعه الآن يقول بصوته الجهوري "إحنا هانروح دلوقتي نخَلَص". يبدو إنه يتحدث في التليفون لأني لا استطيع رؤية أحد معه. إلى أين سيذهب حامد ليُخَلِص في هذه الليلة الساحرة؟. على أبيه عطية أن يزوجه سريعا حتى يهدأ في مثل هذه الليالي داخل حضن إحداهن ويتوقف عن إجرامه.
لن يتركني ضميري أنام لما يزيد عن يومين إذا تركته ينفذ جريمة جديدة الليلة، وهذا ما لن استطع إحتماله. لأنك لا تعرف حامد ستتعجب من قراري بالنزول إلى الشارع ومراقبته. من حقك طبعا التعجب ولكن ليس من حقك أن تستنكر قراري وأنت تعرف من ما ذكرته مسبقا إننا بصدد سرقتين في يوم واحد. حامد يمكنه سرقة ملابسك الداخلية التي ترتديها وانت نائم في سريرك مطمئنا بينما هو يتبول في حمام بيتهم.
دخلت مسرعا إلى غرفتي وأرتديت معطفي الأسود الذي يجعلني ضخم الجثة، عريض المنكبين كمجرم سابق. وضعت الكشاف الصغير وسكينة صغيرة في جيبي الشمال ومنديل قماش في جيبي اليمين لأني أعاني من زكام مفاجئ هذه الأيام. وارتديت حذائي وأغلقت بابي بإحكام.
على السلم توقفت برهة لأرى إذا كان حامد مازال في الشارع أم ذهب. أنا أعرف أماكن تجمع هؤلاء الأوغاد جيدا. طالما سمعته يتحدث عنهم ولكني لم أكترث لملاحقته لأن في تلك الأيام لم أسمع عن سرقتين في آن واحد. ولكن ما حدث يعد كثيرا على أعصابي المرهقة ولن أسمح له  بالمزيد بعد الآن.
الصمت يخيم على الميدان الصغير ولا أثر لحامد. قطة صغيرة تعبث بكيس بلاستيكي أسود، تعتقد أن ما به من قمامة ربما تحتوي على طعام لها. أسفت لها بشدة وندمت لأني لم أحمل معي بعض فتات الخبز لأطعم القطط رفقاء الدرب دوما. ولكني وعدتها بصوت خفيض بأني سأطعمها الرز الأبيض بالزبيب إذا انتظرت عودتي هنا امام باب العمارة. وإنطلقت بخفة لا تناسب حجمي إلى ما وراء أسوار الجريمة . إلى حامد.
خطواتي ثقيلة ثابتة متشبثة بالأرض  وكأن كائن بحجمي هذا في استطاعته ان يحلق بعيدا اذا ترك نفسه. يدي في جيوبي طلبا للتدفئة، وجدت قلم رصاص صغير ففكرت ان اكتب على حوائط البيوت في اتجاه سيري  جمل قصيرة لترشد أهل الحي إلى السارق المجرم. فكتبت على حائط بيت قصير بآخر الميدان "هنا سرق حامد" ثم مشيت منتشيا وتخيلت كم أن الجميع سيرى غدا الجملة ويعرف ان حامد لص خطير. ولكني انتبهت أني لم أضع التشكيل فوق سرق، فيمكن الفهم ان حامد تم سرقته هنا ويصبح في لمح البصر ضحية. أمتعضت وهرشت رأسي الكبير، لا وقت لدي للعودة للميدان وتصحيح الخطأ. حسنا سأكتب هنا على ذلك البيت على يساري "هنا سَرَقَ حامد" وأكملت السير بهدوء ويدي في جيوبي مرة أخرى.
أنعطفت يسارا رغم أني أفضل اليمين دوما "اللهم أجعلنا من أهل اليمين". حامد يجلس الآن مع مجموعته في مقهى حقير في طريق ملئ بانحناءات في اتجاه اليسار وهكذا أعرف حكمة الله في في أمرنا بالتيمن. "الله يجازيك يا حامد.. حتى طرقك كلها شمال" همست لنفسي وأنا أنظر في الأرض متعجبا.
الشارع مظلم وطويل على يميني زريبة صغيرة يضع بها عم أحمد ماشيتين يعانوا من ما يبدو لي أنيميا ولكنهم مازالوا يدروا اللبن بوفرة ويغشه الرجل بوضع نشا وماء به. كل الحي يعرف ذلك ومع ذلك كلهم يشتروا منه بلا مناقشات. عم أحمد رجل داهية كان يملك سيارة أجرة صغيرة، كل يوم يرتدي ملابس العمل ويقبل يد زوجته على السلم ثم يأتي ليجلس معنا في المقهى وبعد عدة ساعات يفتح كابوت السيارة ويضع الزيت فوق  ملابسه بواسطة الذراع المعدني المخصص لقياس الزيت ويشحم يديه ثم يعود إلى البيت مغموما ويظل يحكي طوال الليل لزوجته كيف ان السيارة توقفت فوق كوبري أكتوبر لساعات وهو يحاول إصلاحها دون جدوى. لديه دائما وافر من الحكايات التي لا تنضب، كان يحكي لها عن وقفته وحيدا حائرا فوق الكوبري. وكيف أنه بمجرد جلوسه منحنيا ليغير عجلة السيارة تأتي سيارة مسرعة تجبره على الوقوف سريعا ثم يكرر جلوسه مرة أخرى فتأتي غيرها مسرعة فيقف مسرعا، وهكذا دواليك، حتى أن سيارة حمراء كادت ان تطيح بمؤخرته العزيزة. وهكذا كانت تصدقه زوجته وتبيع أقراطها الذهب التسعة الواحد يلو الأخر. حتى أقتنعت بعدم جدوى السيارة وقررت بيعها ومنحه الزريبة للإشراف عليها. زوجة عم أحمد من أعيان الحي وأحد إقطاعياته، تملك الزريبة وسلسلة محلات للبقالة وبيع منتجات الألبان ورثتهم عن والدها. كانت صاحبة الاقتراح بشراء السيارة الأجرة حتى يكون عم أحمد مشروع مَعَلِم مثلها صاحب سيارات أجرة كثيرة مستقبلا ولكنه خيب أملها وجعلها تبيع السيارة قبل إكتمال المشروع.

مازال الشارع طويلا، دخلت السوق الرئيسي في الحي متونسا بالمحلات الساهرة
 ومختصرا الطريق وأنا أدندن بصوتي العذب بعيد عنك حياتي عذابماليش غير الفراق أحباب ماتبعدنيش بعيد عنك
ثم سرحت قليلا.. أكان الفراق أم الدموع؟ ثم دندنت مرة أخرى في محاولة للتذكر. أعتقد أن الدموع منطقية أكثر في ترتيب الجملة ولكني في هذه اللحظة الحزينة بالذات أفضل الفراق! لماذا هي حزينة؟ لا أعرف. ولكني اعتقد أن مطاردة لص في الليل لابد أن يفعلها رجل حزين.
أتجهت يمينا متجاهلا حكمة اليسار مع الأشرار وبدأت أشعر بالوهن. فأسرعت الخطى وحاولت التوقف عن التأمل مذكرا نفسي بمهمتي وهي مراقبة حامد ومنعه من السرقة الليلة. بداخلي هاجس يقول أنه المسئول عن سرقات اليوم. وتذكرت قلمي الرصاص الصغير وأني لم أكتب شيئا  بعد عبارتي الأخيرة. كم أنا أحمق لأكتب جملة بلغة عربية فصحى وبالتشكيل أيضا في حي بائس كهذا! واتجهت لأقرب حائط وكتبت بخط كبير "هنا حامد سرقنا كلنا يا معرصين" . في إشارة لعم أحمد الذي يغش اللبن والجميع يعرف والجميع يشتري منه في نفس الوقت كما لو أن الجميع الأولى لا تعرف الجميع الأخيرة. انفصام في الشخصية جماعي يستحق اللفظ القبيح. هكذا سيتكلم الحي كله عن حامد وسرقاته المتعددة وربما يأتوا على ذكر عطية الذي يكرهني، دافع الرشوى، ملك النافورة. ضحكت في سري في تلذذ.
 الآن بدأت أبتعد عن الحي ولن أخفي شئ، فلقد بدأت أشعر بالخوف. ولكن قدمي مازالت ثابتة تخشى الطيران. وشعرت فجأة بالذنب من الكلمة القبيحة التي نقشتها على الحائط. ربما تراها طفلة صغيرة وتخدش حياءها. أنه حي بائس وأطفاله مشردين ما بين الألفاظ القبيحة والأفعال الأقبح باليد والجسد ولكن لا أريد أن اكون سببا في هذا المشهد. لا أريد أن أظهر به في كل الأحوال. تنهدت وقررت أن أعود لمنزلي من نفس الطريق لأزيل الكلمة وأكتب غيرها. أريد وصف غير لطيف لأهل الحي ويكون غير خارج في آن واحد. بدات أسلي نفسي بتذكر كل الكلمات التي تصلح. ما هو مرادف التعريص؟ إنه كما أفهمه التستر على مجرم وقد يصل الأمر إلى مدحه. أي أن الشخص المُعرص هو الشخص المتستر. إذن.. وإنطلقت إلى أقرب حائط وكتبت "حامد بيسرقنا كلنا يا متسترين". وشعرت براحة كما مَن كَفَرَ عن ذنبه.
أثناء سيري والصمت يخيم على المكان، سمعت صوت ورائي. لم ألتفت بسرعة كما قد يُخيل لك. كلا. ليس هذه أفعال الجواسيس القدامى. مشيت ببطء وأنا أحاول ان أنظر بهدوء من فوق ياقة المعطف إلى الوراء. لمحت ظل ضخم على مقربة مني. هذا الشارع الذي انا به خارج الحي تماما ليس به إلا مدارس إبتدائية وإعدادية والسنترال الرئيسي. أي إنها أماكن خدمية ليس بها كائن ما الآن. أنا وحيد مع الظل الأسود إذن. حسنا، أعتقد حان وقت السكين الصغير وليكن ما يكون.
تحسست سكيني فلم أجده. بدأت اتوتر، أين ذهب هذا اللعين؟ لا أثر له! أيعقل اني أخذت القلم الرصاص بدلا منه وخُيل إليِ أنه سكينا؟  إبتسمت لسخرية القدر! سلاحي اليوم هو قلمي، ويا له من سلاح!
فكرت بسرعة لأول مرة منذ أيام، ماذا أفعل؟ أتجهت إلى حائط السنترال في سرعة وكتبت "هنا عبرت إلى خارج الحي لأصارع حامد اللص ومن الممكن أن أقتل حالا". خانتني عيناي ونظرت سريعا إلى الظل الأسود، فوجدته واقف بالقرب من حائط قريب منه. تبا! ماذا يفعل؟ أيتبول؟ ربما لم يكن يمشي ورائي أبدا وصور لي وسواسي ذلك!
فمضيت في سيري إلى خلف السنترال في إتجاه اليمين. وتذكرت إني غبي ولم أضع التشكيل فوق أقتل. ربما يُقتل حامد ويكون أعترافي مُسجل على حائط السنترال. يجب ان أعود سريعا. ألتفت بسرعة لأعود ولكني وجدت صاحب الظل مازال ورائي. لو كان بحوذتي مرآه، كنت وجهت كشافي الصغير إلى جبهتي لأرى حبيبات العرق اللؤلؤية تلمع في الظلام فوقها. يا إلهي.. كم أعشق نداوتها.
ولكن لا وقت لدي لهذا التلذذ الليلي. لم أفكر كثيرا، يجب أن أبرئ نفسي من التهمة وتوجهت لأقرب حائط وكتبت.. قبل أن أكتب نظرت للظل فوجدته واقف بجانب حائط.. ماذا يفعل هذا الكائن؟ أيلعب معي؟ أيعقل أنه يكتب أني متفوه بألفاظ قبيحة قد تضر الأطفال؟ أقرأ نقش المعرصين؟ غضبت عندما وصلت لهذه الفكرة. إذا كان قد قرأها فلابد أنه قرأ نقش المتسترين الذي يليه. أنا لست أحمق حتى لا أعتذرعما بدر مني. كتبت على الحائط بغضب "لست قاتل حامد بل أنا أخشى أن أُقتل.. وأعتذر للمعرصين عن لفظي القبيح".
ما هذه الليلة الغريبة؟ ماذا فعلت بنفسي بنزولي إلى الشارع في مثل هذا الوقت؟ اللعنة على الواجب؟ ولكن لا طريق للعودة بعد ظهور هذا الظل. هل ظهر ليحثني على إتخاذ قرارات جادة بشأن حامد؟ أنا لا أعرف ماذا سأفعل عندما أصل إليه، ماذا إذا لم أجده يسرق مثلا؟ أو لم أجده يتفق على جريمة ما؟ ماذا سأقول له؟ اعتقد أني سأجلس في المقهى أشرب السحلب اللذيذ ثم أنصرف في هدوء مترقبا فرصة أخرى.
ربما الظل يقلدني؟ خاصة أنه يرتدي مثلي معطف أسود يجعله ضخم الجثة. تُرى ماذا يكتب فوق الحوائط؟ أيكتب شعرا؟ يريدها لعبة؟ إذن فلنلعب! اتجهت إلى الحائط وكتبت "الحر ممتحن بأولاد الزنا*" في إشارة إليه. وجدته يقف بجانب الحائط كالمعتاد. أبتعدت مهرولا حتى يتسنى له رؤية ما كتبت عندما يتبعني كالكلب. وقفت، فوقف. هكذا بدا لي أنه يراقبني بوضوح. أنت لي الليلة أيها الضخم. أقتربت من الحائط، فأقترب. ما هذه اللعبة السخيفة؟ وكأني أنظر في مرآة. نظرت للحائط وكأني أكتب شيئا ورمقته بطرف عيني فوجدته ينظر للحائط أيضا. أرأى بيت الشعر؟ لا أعرف. أفكر أنه لا يبدو لي أمرا خطيرا أن يراقبني أحدهم. ربما ملاك من السماء أرسله الرب ليحميني من بطش حامد ورفاقه وسيقترب في الوقت المناسب ليضربهم جميعا. أو ربما يكون متحذلق لا يعرف كيف يقضي ليلته فقرر ينزل للشوارع ليراقب الناس. لا يبدو لي لص في كل الأحوال.
والآن فلأتجاهله وأذهب لهدفي مباشرة. وبدأت أدندن مرة أخرى بصوت خفيض. بعد  برهة سمعت صوت دندنة يأتي من خلفي. الظل يدندن؟ ماذا يغني ذلك الأحمق المُقلد؟ أليس لديه مساحات إبداعية خاصة ليسلي نفسه على طول طريقه؟ منذ زمن لم أر ظل غير مبتكر.
وصلت للمقهى، ولم أجد شئ. عبارة فكرت أن أكتبها فوق أقرب حائط. يمكن أن تكون تلغرافا صغيرا. ولكني وصلت بالفعل إلى المقهى، لا يوجد مقهى! خلف السنترال ساحة واسعة دائرية فارغة. تجولت حولها والظل يلهث خلفي، أستطيع أن ألتقط أنفاسه بأذني الكبيرة. أين الجميع؟ المقهى وحامد والرفاق والكراسي والسحلب اللذيذ؟ أنا غارق في أسئلتي ولا أجد إجابة. لابد ان هذا الظل اللعين قد أخفاهم بطريقة أو بأخرى. توجهت إليه لأنقش على وجهه هذه المرة.
كان يبتعد بنفس مقدار قربي له. خطوتي للأمام وخطوته للخلف، خطوة بخطوة. أكاد أجن! ما هذا الشيطان؟ وجدت على الأرض نقش بخط كبير، كُتب بأكبر قلم رصاص يمكن لخيالي أن يدركه "وصلت للمقهى، ولم أجد شئ". ثم رأيت الظل وقد تحول لظلال كثيرة بمعاطف سوداء تجعلهم ذو حجم ضخم، عريضي المنكبين كمجرمين سابقين. وبيدهم أقلام رصاص. واقفون حولي على شكل دائرة وأنا في المنتصف. مركز الدائرة. أقتربوا مني.. أكثر.. فأكثر.. فأكثر ثم ألتحمنا سويا في نشوى وحلقنا في السماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المتنبي*


Friday, December 28, 2012

دوبلن: مدينة بلا ثورة


في مثل هذه الايام منذ مائة عام وثمان سنوات واعد جيمس جويس نورا بارنسل، زوجته فيما بعد، للمشي سويا للمرة الاولى. كان هذا في 16 يوليو 1904 وهو نفس التاريخ الذي اختاره جويس لتدور فيه احداث رواية عوليس بمدينة دوبلن. وهو نفس اليوم الذي يحتفل به محبيه في دوبلن من كل عام بداية من عام 1954. الجوانب الغامضة في حياة جويس الخاصة انعشت السرد الخاص به. فاسطورته الخاصة كادت ان تندمج مع اساطير الاخرين فأضافت بعد وثقل للايام والاماكن التي بدت دوما مألوفة.
عملت نورا في فندق فين والطريق بينه وبين ميدان ميريون حيث خططا للقاؤهما اول مرة يمر بمنزل صامويل بكيت الذي ربما كان في ذلك الوقت يكتب روايته ميرفي. في هذا العام، 1904، خططا جويس، الذي بدأ في كتابة Dubliners ، ونورا لزيارة المنزل الذي سكن به سير ويليام وايلد حيث ترعرع الكاتب اوسكار وايلد وهو نفس المنزل الذي كان الكاتب الايرلندي برام ستوكر صاحب رواية دراكولا ضيفا دائم عليه. والجدير بالذكر ان زوجة الاخير كانت صديقة اوسكار وايلد السابقة وقد تنافسا على حبها لفترة طويلة من الزمن. وبذلك يكون الطريق الى مدينة دوبلن، مسرح كتابه Dubliners، مقدس بالنسبة لك اذا كنت تعرف هذه الاسماء وتقدرها اما اذا كنت في عجلة كما تتصرف شخصيات عوليس احيانا او كما يفعل الناس في هذه الايام فسيكون هذا الطريق اعتيادي كما شارع عادي في اي مدينة اخرى.
بقيت المدينة التي كتب عنها جويس كما هي لمدة طويلة ربما في حالة جمود اكثر مما ذهب خيال جويس يوما. يحكي الكاتب الايرلندي كولم توبين عن انتقاله لهذه المدينة التي اصبحت بشكل ما مرتع لعشاق جيمس جويس. يقول انه انتقل هناك في بداية السبعينيات، انها نفس المدينة التي كتب عنها جويس في بداية القرن ويحكي عن الشخصيات القاطنة بها: "سكن الغرفة المقابلة لي رجل يذهب الى عمله ويعود منه بشكل يومي منتظم، صادف ان رأيته مرات قليلة في الشارع وقد بدا لي رجل مألوف يرتدي بدلة كاملة. يبدو انه يعمل في مكتب، في الحقيقة كان رجل عادي جدا ولكنه لم يكن طبيعي..كما لو ان كهرباء حياته قد انقطعت ويعيش على ضوء الشموع. انه لم يجتاز ابدا باب حجرتي ليذهب الى الحمام في الفناء الخلفي للمبني. لا اعرف اين يقضي حاجته وقد استشعرت من خطواته البطيئة اثناء الليل حيث يسود الهدوء انه يقضي لياليه وحيدا يحتسي الشراب في مكان ما في هذه المدينة."
فكرة الشخصيات الرثة المنعزلة ذات الحياة الغامضة، الشخصيات الوحيدة التي تمتلأ حياتهم بالمشروبات الكحولية والمساجين وراء مكاتبهم والقاطنين في منازل مملة او حجرات ذات حوائط باردة، رجال متعلمون ولكن بلا مستقبل. تلك الشخصيات تصنع طريقها في قلب القصص القصيرة لكتاب Dubliners: Two Gallants – The Boarding Houses – A Little Cloud – Counterparts –A Painful Case and Grace.
بينما هو يرسم هذه الشخصيات ويقدم لهم قليل من الراحة ولحظات قصيرة من الاحتمالية، لم يكن جويس مهتما ببعض الجوانب الغامضة التي يعرف سرها عن هذه النوعية من الرجال واقدارهم في هذا العالم انما اهتم بالشخصية نفسها التي اطلق لها الاسم ورسم حياتها الخاصة والسرية. الاستغراق في الافكار العميقة والعزلة الواعية للافراد، والتي تجعلهم في حالة اختفاء دائم، نجح جويس في ان يقدمهم بطريقة درامية مسرحية.
لم يسمح جويس في كتابه ذلك ان تختلط قصص البالغين بحكايات الاطفال البريئة، فالقصص الاولية للاطفال والشباب تقدم الخوف من الاخطاء بالتأكيد اكثر من قصص البالغين. وبالطبع فان الراوي في قصص الاطفال يبدو انه يعرف كل الجوانب الغامضة اكثر من اي شخصية اخرى في الكتاب. ففي قصته An Encounter كان الراوي صبي بالمدرسة تعامل مع اضطراب النشاط الجنسي للرجل الذي يقابله بسهولة ويسر. (تلك القصة كما ذكر ستانسلوس جويس، والد جيمس، مبينة على وقائع حقيقية حدثت معه وهو صغير).  وفي Araby يحكي عن حب استحواذي من قبل شاب صغير تجاه فتاة مليئ بالمشاعر الجنسية. انها درامتيكية وملموسة اكثر من اي قصة اخرى في الكتاب.
في خطاب ارسله الى ناشره في عام 1907 تكلم جويس عن الطموح والتواضع الذي كان يداهمه وهو يكتب قصصه "كان قصدي ان اكتب فصل واحد عن التاريخ الروحي لمدينتي وقد اخترت دوبلن لانها تبدو مركز للركود والعجز. ولقد حاولت ان اقدمها على انها مدينة العوام الذين هم دائما على الحياد تحت اربع من جوانبها: الطفولة، البلوغ، النضج والحياة العامة. وقد رتبت القصص وفقا لهذا المنظور."
بدا جويس كتابة قصصه في دوبلن عام 1904 وكان يبلغ من العمر 22 عاما وانتهى منهم بقصة The Dead في عام 1907 في مدينة تريستي. وبعد عدة محاولات وصعوبات وحظ سيئ مع الناشرين، نشرت Dubliners في يونيه 1914.
ادعاء جويس بانه سيكتب فصل واحد عن مدينته هو امر مبالغ فيه حتى القصص نفسها تتفادى ان تكون مجرد وصف سهل. فالقصص تحتوي على قرية مليئة بالحالمين وراغبي التغيير رغم وجودهم بقفص. ففي Two Gallants  وEveline هناك دائما شخصيات غريبة ومتيقظة للهروب من قفص العائلة او العمل. في After the Race هناك هيستريا حمقاء في محاولة الشخصية دويل بان تظل على صلة باصدقائها المثقفين الاجانب. في العديد من القصص نجد الشخصيات في حالة ترقب ويقظة واضطراب. تبدو رغباتهم وقد فرضت عليهم وتجعلهم يتصرفوا بوحشية في مطارادتهم واندفاعهم وايماءاتهم الغير مطمئنة. لم يقم جويس بالحكم عليهم ولكن كان هناك دائما انذار دائم لنقاط ضعفهم وفشلهم كما انه كان شغوفا بان يصنع منهم قضاه سواء كان الامل الذي يدفعهم جدي او عبثي.
يحكي جويس عن دوبلن على مدار عشر سنوات بعد رحيل تشارلز ستيوارت بارنل، السياسي الايرلندي رئيس الحزب الايرلندي البرلماني ويعد من اكثر شخصيات القرن التاسع عشر تأثيرا، في كتابات جويس تظهر شخصية بارنل بنقاء لا تشوبه شائبة او استهزاء. لقد قدم بارنل ليس فقط امل سياسي ولكن نوعا ما من الامل الروحي المبهم والاكثر. وبذلك تكون قصة Ivy Day in the Committee تعري الطبقة الفارغة للمجمتع بعد موت قائديه بشكل درامي، فيبدأ المواطنون بالتفوه بالاكليشيهات والبحث عن الشراب والصحبة المثيرة للغثيان. الاحساس بالتفاهة وعدم الاهمية في كل سطر وفقرة وفي كل اقتراح لشخصية ما يبدو جليا ان المجد زال وان الضوء قد انطفئ وترك الشخصيات تتلمس طريقها في فراغ غريب.
يتغلف هذا الفراغ بغلاف حزين شفيف حزنا على فقدان القائد، ولكنها ايضا تعج برؤى غريبة للقومية الايرلندية، كأنه شئ تتبناه الناس لجني المال او انقاذ اعمالهم. في Araby في مشهد شارع صاخب يغني بعض مغني الشوارع عن عضو البرلمان أو دونوفان روسا، وقد كان موهوب في العنف القومي.
في After the Race يبدأ والد الشخصية دويل حياته كسياسي وطني ولكن سرعان ما يعدل ارآئه ويتجه لجمع المال. وفي A Little Cloud أدرك تشاندلر ان متجر the Celtic note الموسيقي ربما يساعده في نشر وشهرة شعره في انجلترا. (لم يستخدم جويس حتى اشارة لشعره الخاص بينما لاحظ توماس كيتل في نقد لمجموعته القصصية الاولى "لا يوجد اثر للفلكلور او للهجة شعبية او حتى مشاعر وطنية التي تتلون بها اعمال كل الكتاب الايرلنديين المعاصريين".
في A Mother تحاول مدام كيرني الاستفادة من ابنتها وتدفعها في الحركة الثقافية الايرلندية، حيث ازدهار المواهب الادبية في ذلك الحين كان واسع الانتشار، والاشتراك بالعديد من الحفلات ولكن تقابل جهودها بالفشل. ويحكي والد جيمس جويس عن تلك القصة بأن احداثها مبنية على احداث واقعية حدثت مع جويس في احدى الحفلات الموسيقية. في Dubliners تبدو الجهود المبذولة للهروب من الركود بتبني وجهة النظر القومية مزيفة وغير مثمرة. وهذا يضفي المزيد من البريق الكاذب للشخصيات التي تحاول، انهم اشخاص عادية وليس كما ارادوا ان يظهروا كأمة تسعى الى الحرية. وذلك تأكد من الاشارة الى عدد هائل من العلامات التجارية، فالشخصيات هنا مستهلكون قبل ان يكونوا مواطنون.
في عوليس، اخذ جويس العالم الصغير من Dubliners وقام بتمديده. بينما الشخصية في Grace بمجموعته القصصية الاولى تجعل القارئ يضحك ولكن ذلك ليس متعمدا. انما هم حمقى. في عوليس قدم رجال على قدر من الفطنة ولديهم نوعا من السلاسة الحادة الفائقة في خطابهم الغائب من كتاب القصص. في Grace يحكي جويس عن مستر كيرنان الذي وقع من على سلالم الحانة وجرح نفسه ومحاولة اصدقاءه شفاؤه عن طريق دفعه لاعتناق الكاثوليكية، وهي حادثة وقعت بالفعل لوالده. في هذه القصة حاول جويس ان يحد من ذكاء وخفة دم ابيه. في عوليس، على الجانب الاخر، كانت السخرية لا حدود لها، حتى القوميون يتمتعون بالحس الفكاهي مع محاولات للحد من ذلك. الشوارع المغمورة بالظلام في Dubliners مليئة بالوعود في عوليس. في الرواية يبدو الحالمون والناشدون للتغيير مزدهرون فحسب بالفكر والكينونية والغناء ولقاء احدهم الاخر. يقدم موت قائد عظيم نوعا ما من الانفتاح على المدينة حيث الحياة العامة اصبحت دعابة ويسمح للحياة والافكار واللقاءات الخاصة وحتى ايام الصيف ان تكون لديها بريق وتمتلأ بشكل كامل بالامكانية. اذن فالكتابان يعرضان الفنان في مزاجيين عكسيين. Dubliners يقدم مدينة مليئة بألوان واشباح الخريف والشتاء. انه يقدم صور قوية بشكل كاف لتكون منبوذة في طاقة الكوميديا الحقيقية في عوليس.
في Eveline وClay صنع جويس شخصيتين نسائيتين يعيشوا حياة محدودة ومقيدة ولكن لديهم وعي به من البراءة والرقة اكثر من كل الرجال المتواجدون حولهم.  في Eveline قدم شخصية تحلم بالفرار وكثف وصفه لامالها واحتياجاتها فخلق حياة حيوية لها في اذهان القراء حيث الهروب ليس مستحيلا. وفي النهاية تمتلأ حياتها بالاثارة بالهروب الذي لم يحدث ربما يكون في يوما آخر. في Clay القصة المفعمة بالخسارة وما هو ابعد منها، تتوسط المشهد "ماريا" المعصوبة الاعين تلمس شيئا حيث تحمل عبء تعبر عنه بالشعر رفع الاحداث خلف حدودها في اتجاه فضاء خيالي من الغموض الحالك.
بينما جميع شخصيات Dubliners لديهم خصوصية شرسة فالصورة تتندمج ببطئ مع فضاء خيالي عام اكثر براح وهو المجتمع، مهما كان باهت ومحدود ومفعم بالغياب، الا انه يبدأ في تحديد معالمه. ليس بسيطا ان نستخدم مصطلح "استعمار" لوصف المقيمين في دوبلن، لكن بالرغم من ذلك فكرة انهم يعيشون في مكان ليس لديه الحكم الذاتي السياسي الكامل يجب ان تؤخذ بالاعتبار، ان هناك في الظلال شئ ما كان دائما ضمنا.
من السهل تخيل عن ماذا تدور القصة الاخيرة The Dead، وقعت الاحداث في العديد من المدن الاخرى بجانب دوبلن فالمدن الكبرى مثل دوبلن ليس لديها برلمان وبذلك لا يوجد حكومة. المدن التي تتحدث لغتين مختلفتين او ثقافاتين متباينتين تبدو في حالة تصادم. والمدن التي تحلم باماكن مقدسة في الريف حيث روح المواطنين اكثر نقاءا. المدن الواقعة بين الروح الريفية المملة والقاتلة وحتى احتمالية الكونية الاكثر مللا. دوبلن في The Dead لديها اصداء برشلونة او كالكوتا او ادنبرج في بداية القرن العشرين، حيث الحياة الموسيقية تصلك الى العمق المنشود والاغاني والمطربين يعطوك قوة من السماء.
في كل المدن الاربعة تنتقل الموسيقى من مجرد اداة ترفيهية لتصبح او تحل محل او تقترح ما يفتقده العالم الواقعي. فالاغاني هناك تملك قوة موسيقية وسياسية ايضا. في مجتمعات أخرى، ايرلندا وكاتالونيا والبنغال واسكتلندا، هناك  لغتين دائما في صراع او على الاقل لغة قابعة بظلها القديم ضد اخرى حديثة. من السهل ان تجد انتقاد لمفكر كالكوتي لانه لم يكتب بلغته الاصلية البنغالية او انتقاد لمفكر اسكتلندي لانه لا يرتدي الزي الرسمي "التنورة."
في كل هذه المجتمعات مثل غيرها الكثير، منذ فترة السبيعنيات فصاعدا دائما هناك اخلاص في البداية من قبل الشعراء وكتاب المسرح والرسامين وبعد ذلك من قبل المفكرين والسياسين نحو المناطق الريفية تحديدا. كان هناك اخلاص نحو اماكن خارج برشلونة مثل كانيجو او مونتسني، والريف البنغالي او التلال العالية لاسكتلندا ولجزيرة آران حيث تمنت احدى شخصيات The Dead ان تذهب. هناك اماكن مازالت طبيعية بدائية حيث فكرة الامة بقيت اكثر نقاءا وبساطة.
في The Dead يقدم جويس لنا صورة لهذا العالم في البداية ككوميديا مزعجة او بالاحرى مهزلة. شخصية الانسة ايفورس صديقة الشخصية "كاثلين"، التي تعاني من طمع امها في A mother. تطلب من جبريال ان يتحدث ايرلندي وهي لغته الام، فيصبح هو منغمس في ابتكار التقاليد والتوغل اكثر داخل وطنه. ولكن سرعان ما يتحول صراعه الى تراجيديا وغموض ونقاء شديد الغرابة مثل زوجته جريتا التي قالت بوضوح انها لم تعد تنتمي اليه بل انها تنتمي لعالم اكبر.
مرة اخرى، المناخ العام للقصه مازال موجودا في المدينة حتى الان. فالناس هناك يحتفلون كل عام بعيد الميلاد في نفس المكان ويقوموا بنفس الترتيبات ويرددوا نفس الاشعار ونفس الاغاني والالحان بل يقدمون نفس الطعام ودائما هناك مجموعة من الاصدقاء تبقى للنهاية لتستمع لاغاني خاتمة الحفل والتي تمنحهم مشاعر خاصة قبل ان يجلسوا خارج الحانة تحت اضواء ديسمبر الاخيرة.
تحولات جابريال في The dead ربما تكون منحته اكثر شخصية تتمتع ببراءة في كل المجموعة القصصية في حين انه مثقف ولديه وعي بذاته. التفكير والملاحظه بالنسبة له ليس الا شكل من اشكال الضعف. فاستعلائه على عماته الانيقات، ليلي والانسة ايفورس والشخصيات الاخرى يعكس عزلته. في فشله لاحتضان العالم يحمل القارئ معه في طريق وحيد لطفل مهووس بغرابة في اول ثلاث او اربع قصص. هو متخم بالغموض وهذا يعني ايضا الفخامة والتفوق والعصبية والاستياء على السواء. انه فخور لكنه مقيض ومهدد. انه يعيش في هوس المعرفة التي لم تساعده على التأقلم في هذا العالم.
القصة رغم كل شئ لديها قراء اخرين. لكل قارئ قام بزيارة المنزل في جزيرة آشر فوق رصيف ميناء دوبلن حيث تقع احداث القصة حيث عاش جويس لفترة مع عماته العظيمات اللاواتي عشن مع بناتهن. من السهل مثلا ان نتخيل ان جويس ابتكر مكان ومناخ بل وناس يتذكرهم ويحبهم ولكنهم حقيقة وقد اعرب عن اسفه لخسارتهم. في ابتكار جابريال ابتدع رؤية لنفسه مهزوزة وغير واثقة وانتقده اصدقائه في بعض الاحيان لانه يعاني نقص في المشاعر الوطنية وكذلك والده الذي استخدم لهجته في كلام جابريال. وفي ابتكار جريتا ابتدع جويس رؤية لزوجته نورا وصور هوسه الطويل بالخيانة الجنسية والتي ظهرت في خطاباته وفي مسرحيته Exiles وروايته عوليس. لقد كان ذلك الهوس في نفس مستوى هوسه بايرلندا او دوبلن.
في نهاية the Dead كما في نهاية عوليس حاول جويس ان يصنع صورة كلية ربما تنقل السرد لفضاء اوسع في محاولة لانهاء عدة ايقاعات غامضة ذات نهايات مفتوحة للتنصل من صعوبات الرؤية التي لا بديل عنها. ومع ذلك فان في الجذور الفنية الراديكالية لجويس والتي تسمح للمعاني والآثار المختلفة ان تحيا ضمن قصته النهائية  فلا شئ يسيطر سوى الفكرة الغامضة لجوهر الاشياء وصمت رجل حداثي في وجوههم. 


ترجمة: اميمة صبحي

نُشر في أخبار الادب - 2012

Tuesday, December 25, 2012

التحفة الادبية التي قتلت جورج أورويل



"لقد كان يوم ساطع بارد الهواء وكانت الساعات تشير إلى الواحدة"
مازالت تحفة جورج اورويل "1984" - بعد مرور 60 عام على نشرها -  مهيمنة على القراء أكثر من أي وقت مضى. عندما ترى مخطوطة الرواية ستجد إنها ليست واضحة تماما لوجود كتابة هامشية بألوان حبر مختلفة تستحوذ على النص وذلك يدل على الاضطراب الهائل القابع وراء التأليف.
من المحتمل أن الرواية الرئيسية للقرن الواحد والعشرين والتي بقيت قوية ومعاصرة بشكل خالد  وتم إطلاق بعض الأسماء عليها مثل "الأخ الأكبر"، "التفكير المزدوج"، "الخطاب الجديد" أصبحت جزء من كل يوم نعاصره الآن. فلقد تم ترجمتها إلى أكثر من 65 لغة وبيعت بالملايين حول العالم كما أعطت جورج اورويل مكان فريد في العالم الأدبي. واصبحت "الاوريلانيية" موجز كلي لكل شئ قمعي أو ديكتاتوري، فقصة وينستن سميث الذي هو رمز لكل رجل يمثل عصره لا تزال صدى للقراء الذين تختلف مخاوفهم حول المستقبل كثيرا عن هؤلاء الكتاب الإنجليز في منتصف أربعينات القرن الماضي.

الظروف حول كتابة "1984" جعلت السرد القصصي المتردد يساعد على توضيح قتامة نظرة اورويل للواقع المرير. فهنا كان كاتب إنجليزي مريض بيأس ووحيد مع شياطين مخيلته داخل مخفر اسكتلندي من ما تبقى بعد كارثة الحرب العالمية الثانية. فكرة رواية "1984" أو "آخر رجل في أوروبا" تكونت في رأس اورويل منذ الحرب الأهلية الأسبانية التي كان يعمل بها مراسلا صحفيا وجندي لصالح أسبانيا. وتدين هذه الرواية بشئ ما لرواية الكاتب الروسي جيفجيني زماتين "نحن" التي تتحدث عن مستقبل مرير.
 فمن المحتمل إنها اكتسبت شكلها النهائي خلال عامي 1943 و 1944 في وقت قريب من تبنيه طفله الوحيد ريتشارد مع زوجته ايليين. ويقول اورويل نفسه انه ربما جاءته الفكرة خلال مؤتمر رؤساء الحلفاء الذي عقد عام 1944 في طهران، فيقول ايساك دويتشير، زميله في جريدة "اوبسيرفير" ان اورويل كان مقتنع ان ستالين وتشارشل وروزفلت تآمروا بشكل مقصود لتقسيم العالم في طهران.
عمل اورويل في جريدة "اوبسيرفير" منذ عام 1942 كان مراجع للكتب في البداية ثم أصبح مراسل صحفي. وقد استفادت حياة اورويل المبدعة من ارتباطه بجريدة "اوبسيرفير" في كتابة روايته "مزرعة الحيوان"، فبينما شارفت الحرب على الانتهاء ساهم التفاعل المثمر بين الخيال وصحافة "الصنداي" في تشكيل الرواية الأكثر سوادا وتعقيدا التي كانت في عقله بعد روايته المشهورة الخيالية "مزرعة الحيوان". وواضح من عمله مراجع للكتب انه كان مفتون بالعلاقة بين المثل الأخلاقية العليا واللغة.
ويوجد عدة مؤثرات أخرى على العمل، فبعد تبني طفله ريتشارد بفترة وجيزة تم تدمير شقته بصاروخ صغير، فمناخ التواجد في رعب عشوائي يومي في وقت الحرب بلندن أصبح تتمة لحالته المزاجية في كتابة الرواية. بجانب الحادث الأسوأ يوم 14 مارس عام 1945 عندما كان اورويل في مهمة لصالح جريدة "اوبسيرفير" في أوروبا وجاءته أخبار تفيد بان زوجته قد توفت تحت تأثير البنج أثناء عملية جراحية صغيرة.
فجأة أصبح أرمل وأب وحيد، يحتال على حياته المكفهرة في بيته بحي اسلينجتون بوسط لندن فيعمل بشكل متواصل ليكبح تدفق نزيف ندمه وحزنه على رحيل زوجته المبكر عن أوانه. على سبيل المثال فقد كتب تقريبا 110.000 كلمة لدور نشر متنوعة منها عرض لخمسة عشر كتاب لجريدة "اوبسيرفير".
في مايو 1946 كان اورويل مازال يجمع شتات حياته ويأخذ القطار لرحلة طويلة وقاسية إلى جزيرة جورا في اسكتلندا ليقضي بها أجازة طويلة في بيت أهداه له صديقه استور، قال اورويل لصديقه الروائي ارثر كوسيتلر  واصفا هذه الرحلة بأنها مثل تجهيز سفينة للإبحار نحو القطب الشمالي
وقد كانت رحلة خطرة بالنسبة لصحة اورويل التي أخذت تتدهور كما أن شتاء 1946-47 كان أقسى شتاءا في هذا القرن، وبريطانيا بعد الحرب صارت أكثر كآبة من وقت الحرب نفسه.  كان يعاني دائما من صدر مريض، فتوقف عن إثارة عالم لندن الأدبي ولكنه على الأقل صار حرا غير مرتبط به في إصدار روايته الجديدة "دخان تحت القدس". ورغم هذه الحرية الا انه اخبر صديق له ذات يوم "لقد أصبحت يوما بعد يوم كبرتقالة تم امتصاصها"
ومن المثير للسخرية أن بعض من صعوباته نشأ من نجاح روايته "مزرعة الحيوان" فبعد سنوات من الإهمال واللامبالاة أفاق العالم على عبقريته. "كل الناس تأتي إلي يريدون مني أن أحاضر أو أراجع بعض الكتيبات أو أشارك هنا وهناك، أنت لا تدرك كم أتوق لأكون حرا ولدي الوقت الكافي لأفكر مجددا" يشتكي اورويل لصديقه كوستيلر.
وقد كان أكثر حرية في التفكير عندما ينعزل في جورا ولكن هذه الحرية كانت لها ثمنها فكتب في مقال له بعنون "لماذا اكتب" واصفا الصراع الذي يصاحب الكتابة "الكتابة شئ مرعب وصراع مرهق كنوبة طويلة من نوبات مرض مؤلم"

من ربيع عام 1947 إلى وفاته في عام 1950 أعاد اورويل تشكيل كل جوانب الصراع بأشد الطرق التي يمكن تخيلها إيلاما، ربما كان يستمتع، بشكل شخصي، بالتداخل بين النظرية والتطبيق. لقد كان يزدهر دائما بسبب محنة ابتلاء الذات.
في البداية بعد انقضاء الشتاء القارص، استمتع اورويل بعزلته وبجمال جورا الطبيعي لأقصى درجة وكان يكتب لوكيله قائلا "أنا أصارع هذا الكتاب الذي ربما انتهي منه بنهاية هذا العام، على أي حال سأبتعد عن العمل الصحفي حتى الخريف"
بيته في جورا الذي كان يطلق عليه بارنهيل كان يطل على البحر في أعلى طريق أخدودي، لم يكن كبيرا به أربع غرف نوم صغيرة بأعلى مطبخ فسيح. كانت الحياة بسيطة حتى البدائية فلم يكن هناك كهرباء وكان يستخدم زيت حراري ليطبخ ويسخن الماء كما يحرق المصباح اليدوي البرافين. في الليالي كان أيضا يحرق نسيج نباتي يستخدم كوقود يسمى الخُث. كان حينذاك مازال مدخنا بشراهة سجائر ملفوفة بتبغ قوي مفروم، فمناخ المنزل كان دافئ ومريح ولكنه لم يكن صحي وكان الراديو هو وسيلة الاتصال الوحيدة بالعالم.
اورويل، ذلك النوع من الرجال المهذب وذو روح الخفيفة وصل إلى جورا ليس معه سوى سرير صغير من سرائر المخيمات  ومنضدة وبعض الكراسي والقليل من الأقداح والأوعية، كان كشخص اسبرطي مقتصد في حياته البسيطة لكنه مزود بكل شئ يساعده على العمل، ظهر في هذا المكان كطيف في الضباب أو ككائن هزيل في معطف واقي من المطر.
عرفوه الجيران باسمه الحقيقي ايريك بلير رجل طويل، شديد الشحوب وذو نظرة حزينة يفكر بقلق في كيفية إدارة شئون حياته. كان يشاركه المنزل طفله ومربيته وكان الحل في افريل الراهبة المؤهلة بكفء لإدارة المنزل ويتذكر ريتشارد ابنه أن والده لم يكن بإمكانه أن ينجح بدون افريل فقد كانت طباخة ماهرة وعملية جدا"
وبمجرد استقرار حياة اورويل الجديدة بدأ في الانتهاء من كتابه ففي نهاية مايو 1947 اخبر ناشره فريد واربرج "اعتقد إني كتبت ما يقرب المسودة الأولية الثالثة من الكتاب، لم اكتب كثيرا كما تمنيت لأني حقا كنت في حالة صحية سيئة منذ شهر يناير فصدري كالمعتاد لم يكن على ما يرام".
ولوعيه بكم يتوق ناشره لروايته الجديدة أضاف اورويل "بالطبع المسودة الأولية دائما ما تكون فوضى مروعة ولا تقدم إلا القليل من النتائج النهائية من العمل ولكنها الجزء الرئيسي منه" وبقى اورويل مضغوطا وبنهاية شهر يوليو كان متوقع أن ينتهي من المسودة الأولية في شهر أكتوبر. ولكنه بعد ذلك طلب ست شهور أخرى لينقح النص ليتم نشره ولكن حدث بعد ذلك نكبة.
ففي جولة للصيد أو لاكتشاف الجزيرة ومشاهدة الزوارق بشهر أغسطس خلال سحر طقس الصيف الجميل رجع اورويل وافريل وريتشارد من جولة حول الساحل على أقدامهم إلى المنزل بزورق صغير والذي غرق في بحيرة غير معروفة تسمى "كوريفركان".
ويتذكر ريتشارد كم تجمد في الماء البارد وكم أزعج سعال اورويل المتواصل الأصدقاء. وفي خلال شهرين اشتد عليه المرض بشكل خطير. واستمر الصراع الطويل مع روايته "آخر رجل في أوروبا" أو "1984" واعترف اورويل في نهاية أكتوبر 1947 وهو حزين بسبب سوء صحته ان روايته مازالت في فوضى عارمة وتقريبا ثلثيها سيتم كتابتهم من جديد.
كان يعمل بسرعة محمومة، زوار بارنهيل يتذكروا صوت ضرباته فوق آلته الكاتبة قادما من حجرة نومه في أعلى المنزل. وفي نوفمبر أصاب بالتهاب في الرئة رغم رعاية افريل المخلصة وأرسل لصديقه كوستلر يقول له "انه مريض بشدة ولا يستطيع مبارحة سريره". وقبل حلول الكريسماس أرسل له خطاب آخر يخبره بما فزعت له نفسه بان مرضه شُخص بالسل.
بعد أيام قليلة كتب لصديقه استور من مستشفى هايرمايرز يعترف انه مريض جدا وانه كشخص أحمق رفض الذهاب للطبيب بعد حادثة الغرق في البحيرة لأنه أراد أن ينعزل ليكمل روايته. في عام 1947 لم يكن هناك علاج لمرض السل فاقترح الأطباء بعض الهواء المنعش ونظام طعام صحي ولكن وجد عقار جديد تجريبي يباع في أسواق الولايات المتحدة جعل استور يرتب ليحضره من هناك عن طريق النقل البحري.
كان للعقار مؤثرات جانبية مريعة تتمثل في قرح عديدة بالحلق والفم وسقوط الشعر وقشور بالجلد وتفكك في أصابع اليد والقدم ولكنه بعد تناوله بثلاث اشهر وتحديدا في مارس 1948 اختفت أعراض السل. وبينما يخطط اورويل لمغادرة المستشفى تلقى خطابا من ناشره واربرج يقول "لمستقبلك الأدبي لابد أن تنتهي من روايتك بنهاية هذا العام وسيكون من الأفضل لو أنهيتها قبل ذلك قدر المستطاع". وبدلا من أن يقضي فترة نقاهته توجه اورويل الى بارنهيل ليراجع مسودة الرواية بعمق وقد وعد ناشره انه سيرسل له الرواية كاملة في اوائل ديسمبر واستمر في الكتابة متنفسا هواءا غير صحيا على الإطلاق مصاحب للخريف في جورا.
هذا واحد من مراجع اورويل النادرة جدا المشيرة لفكرة كتابه. فلقد اعتقد كالكثير من الكتاب انه لمن الحظ العاثر مناقشة العمل وهو مازال في طور الكتابة. وقد وصف الأمر للروائي انتوني باول "إنها يوتوبيا مكتوبة على هيئة رواية".
كتابة النسخة الواضحة من "آخر رجل في أوروبا" على الاله الكاتبة أصبحت بعدا آخر من معركة اورويل مع الكتاب. فكلما عدل بالحبر النسخة النهائية السيئة بشكل لا يمكن تصديقه كلما أصبحت وثيقة بالكاد يمكنه قراءتها وتفسيرها. اخبر صديقه "إنها كانت طويلة بشكل مفرط، أكثر من 125.000 كلمة" وأضاف بحيادية تامة "أنا لست سعيدا بالكتاب ولكن في ذات الوقت لست مستاء.. اعتقد انه فكرة جيدة لكن هذا المجهود كان سيكون أفضل كثيرا لو لم يكتب تحت تأثير مرض السل".
لم يكن استقر بعد على العنوان "أنا محتار بين 1984 وآخر رجل في أوروبا لكن من الممكن أن أفكر في عنوان آخر في الأسابيع القليلة القادمة". وفي نهاية أكتوبر انتهى اورويل من الكتابة والآن هو فقط يحتاج كاتب اختزال ليساعده في كتابة الرواية على الالة الكاتبة.
كان سباق يائس مع الزمن فصحة اورويل تدهورت والنسخة النهائية من الرواية في حاجة إلى إعادة كتابتها والميعاد الأخير للنشر في ديسمبر بدأ يلوح في الأفق. وعد واربرج بالمساعدة وكذلك فعل وكيل اورويل فتضاربت المحاولات لجلب كاتب فجعلوا الموقف يزداد سوءا،ولكن اتبع اورويل حدسه المصاحب له منذ صغره، وحاول مساعدة نفسه بنفسه.
بحلول منتصف نوفمبر أصبح ضعيفا جدا ولا يستطيع المشي، انعزل في سريره ليكمل، عمله المفزع، كتابة الرواية على آلته الكاتبة العتيقة بنفسه ومعه عدد لا نهائي من بكرات الورق المستخدم على الالة الكاتبة ومزود بأقداح من القهوة والشاي الثقيل والدفء الذي ينبعث من حرارة البرافين مع وجود عواصف تضرب بارنهيل، عمل ليلا ونهارا حتى أنهى عمله بالكامل في 30 نوفمبر عام 1948.
قال اورويل، رجل الحرب القديم، لوكيله "الأمر لا يستدعى كل هذه الجلبة، فها أنا قد انتهيت من الرواية بالرغم من إنها أرهقتني بالجلوس منتصبا لفترات طويلة كما إنني لم استطع أن اكتب بسهولة أو أن اكتب عدة أوراق في اليوم ولكن أخطاء أي كاتب محترف على الالة الكاتبة كانت ستكون مريعة خاصة وان الرواية تحتوي على مصطلحات كثيرة ذات مستوى عالي وغير مألوف"
وصلت الرواية الأخيرة لجورج اوريل إلى لندن في منتصف شهر ديسمبر كما وعد وقال واربرج، الناشر، عنها "من اكثر الروايات المروعة التي قرأتها يوما، اذا لم نستطع بيع من 15 الى 20 الف نسخة من الافضل لنا ان نتوقف عن النشر".

 اخيرا غادر اورويل جورا ليقوم بمعالجة نفسه في مصحة بعيدة للسل. "كان من المفترض ان انتقل الى هنا منذ شهرين ولكني كنت اريد ان انتهي من هذا الكتاب اللعين" اخبر اورويل صديقه استور الذي حاول مساعدته ومراقبة العلاج ولكن طبيب اورويل المعالج كان متشائما فيما يخص شفاؤه.
بينما بدا اسم الرواية "1984" في الذيوع بدأت موهبة استور الصحفية في العمل فشرع يكتب لجريدة "اوبسيرفير" عن الرواية كاحتفال لكن اورويل وجد الفكرة "مزعجة نوعا ما".
بحلول الربيع اصبح ارويل يبصق دما ويشعر طوال الوقت انه شاحب كالموتى ولكنه كان قادر على اغراق نفسه في اجراءات نشر الرواية مسجلا ملاحظات جيدة وهو راض. وكان يمازح استور قائلا "لن اندهش اذا غيرت ما تكتبه عن الرواية لاوبسيرفير وحولته الى نعي".
نشرت الرواية في 8 يونيو عام 1949 وبعد خمس ايام تم نشرها في الولايات المتحدة الامريكية، وتقريبا عرفها العالم على انها "تحفة ادبية من الطراز الاعلى" وقد قال تشرشل لطبيبه الخاص انه قرأها مرتين.
استمرت صحة اورويل في التدهور،وفي اكتوبر من نفس العام تزوج من سيدة تدعي سونيا براونيل في حجرته بمستشفى الجامعة وكان صديقه دايفد استور اشبينه، لقد كانت لحظة من السعادة النادرة. بقى على قيد الحياة حتى العام الجديد 1950 وفي 21 يناير عانى من بصق الكثير من الدماء ثم رحل وحيدا.
اذيع خبر رحيله في اذاعة البي بي سي في صباح اليوم التالي وقد استمعت اليها افريل التي مازالت تعيش في جورا من خلال الردايو الصغير في بارنهيل، لا يذكر ابنه ريتشارد كيف كان حال الطقس في هذا اليوم رغم تذكره كيف كانت انباء وفاته صادمة فلقد توفى وهو في السادسة والاربعين من عمره فقط.
رتب استور لمراسم الدفن ودفن في فناء كنيسة ساتون كورتناي بمقاطعة اوكسفورد باسمه الحقيقي ايريك بلير بين قبر رئيس الوزراء البريطاني هيربرت هينري اسكويث ومقابر عائلة الرومانيين (الجيبسي)

لماذا 1984؟
يبقى عنوان الرواية الذي وضعه اورويل لغزا، يقول البعض انه كان يلمح الى مئوية المجتمع الفابي الذي نشأ عام 1884 عن طريق جمعية انجليزية سعى اعضاؤها الى نشرالمبادئ الاشتراكية بالوسائل السلمية، ويقترح البعض الاخر انها اشارة الى رواية جاك لندن "اغلال عَقِب القدم" والذي يحكي فيه عن حركة سياسية تقوى في عام 1984، ويرجح اخرون انها تشير لرواية واحد من احب الكُتاب اليه "جي كيه تشيسترتون "هضبة نابليون المجزوزة" والتي تقع احداثها في عام 1984.
يذكر الشاعر بيتر دافيسون في مجلد من "الاعمال الكاملة" المكون من 20 مجلد ان ناشر اورويل الامريكي يدعى ان اسم الرواية مستمد من عكس ارقام عام 1948 ولكن لا يوجد أي وثيقة تؤكد ذلك فيقترح ان عام 1984 مرتبط بعام ولادة ابنه ريتشارد 1944 كما يشير الى ان السرد في الرواية يبدأ من عام 1980 ثم يسير على التوالي الى 1982 ثم اخيرا 1984.
واخيرا من المعتقد انه لا يوجد لغز في التخلي عن الاسم الاول "اخر رجل في اوروبا"، اورويل نفسه لم يكن واثقا منه لكن ناشره فريد واربرج هو من اقترح عليه اسم "1984" لانه تجاري اكثر


ترجمة: أميمة صبحي


تم نشر المقال في اخبار الادب - 2009
عن الجارديان